ابراهيم بن عمر البقاعي

284

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما كان ذلك جمعا ناسب التشديد المراد به الكثرة في مُشَيَّدَةٍ أي مطولة ، كل واحد منها شاهق في الهواء منيع ، وهو مع ذلك مطلي بالشيد أي بالجص ، فلا خلل فيه أصلا ، ويجوز أن يراد بالتشيد مجرد الإتقان ، يعني أنها مبالغ في تحصينها - لأن السياق أيضا يقتضيه ، فإذا كان لا بد من الموت فلأن يكون في الجهاد الذي يستعقب السعادة الأبدية أولى من أن يكون في غيره . ثم عطف ما بقي من أقوالهم على ما سلف منها في قوله : رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ [ النساء : 77 ] إلى آخره وإن كان هذا الناس منهم غير الأولين ، ويجوز أن يقال : إنه لما أخبر أن الحذر لا يغني من القدر أتبع ذلك حالا لهم مبكتا به لمن توانى في أمره ، مؤذنا بالالتفات إلى الغيبة إعراضا عن خطابهم ببعض غضب ، لأنهم جمعوا إلى الإخلال بتعظيمهم للّه تعالى الإخلال بالأدب مع الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم الذي أرسله ليطاع بإذن اللّه فقال : وَإِنْ أي قالوا ذلك والحال أنه إن تُصِبْهُمْ أي بعض المدعوّين من الأمة ، وهم من كان في قلبه مرض حَسَنَةٌ أي شيء يعجبهم ، ويحسن وقعه عندهم من أي شيء كان يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي الذي له الأمر كله ، لا دخل لك فيها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ أي حالة تسوءهم من أي جهة كانت يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ أي من جهة حلولك في هذا البلد تطيرا بك . ولما كان هذا أمرا فادحا ، وللفؤاد محرقا وقادحا ، سهل عليه بقوله : قُلْ كُلٌّ أي من السيئة والحسنة في الحقيقة دنيوية كانت أو أخروية مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي الذي له كل شيء ، ولا شيء لغيره ، وذلك كما قالوا لما مات أبو أمامة أسعد بن زرارة نقيب بني النجار رضي اللّه تعالى عنه عندما هاجر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم - كما في السيرة - : « بئس الميت أبو أمامة ليهود ومنافقي العرب ! يقولون : لو كان نبيا لم يمت صاحبه ، ولا أملك لنفسي ولا لصاحبي من اللّه شيئا » « 1 » .

--> ( 1 ) حسن لشاهده : أخرجه ابن هشام في سيرته 2 / 93 ، 94 من طريق ابن إسحاق عن يحيى بن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة به . . . وأخرجه أحمد 4 / 138 عن أبي أمامة بن سهل أخبر عن أبي أمامة سعد بن زرارة . . . فذكره بنحوه وأخرجه أيضا الطبراني 5583 وزاد في إسناده ( عن أبيه ) - قال الهيثمي في المجمع 5 / 98 : رواه أحمد وفيه زمعة بن صالح وهو ضعيف وقال ابن معين مرة : صويلح ، وقد وافق الناس في تضعيفه وقال الهيثمي : زمعة ضعفه الجمهور ، ووثقه ابن معين في رواية وضعفه في غيرها ا ه . - وأخرجه الطبراني في الكبير 5584 من حديث سهل بن حنيف وكذا عبد الرزاق 19515 وقال الهيثمي : رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح ا ه فالحديث حسن بشاهده .