ابراهيم بن عمر البقاعي

285

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما تسبب عن هذا معرفة أنهم أخطؤوا في ذلك ، فاستحقوا الإنكار قال منكرا عليهم : فَما وحقرهم بقوله : لِهؤُلاءِ وكأنه قال : الْقَوْمِ الذي هو دال على القيام والكفاية ، إما تهكما بهم ، وإما نسبة لهم إلى قوة الأبدان وضعف المكان لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ لا يقربون من أن يفهموا حَدِيثاً * أي يلقي إليهم أصلا فهما جيدا . ولما أجابهم بما هو الحق إيجادا علمهم ما هو الأدب لملاحظة السبب فقال مستأنفا : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ أي نعمة دنيوية أو أخروية فَمِنَ اللَّهِ أي إيجادا وفضلا ، والإيمان أحسن الحسنات ، قال الإمام : إنهم يقولون : إنهم اتفقوا على أن قوله وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ [ فصلت : 33 ] المراد به كلمة الشهادة وَما أَصابَكَ وأنت خير الخلق مِنْ سَيِّئَةٍ أي بلاء فَمِنْ نَفْسِكَ أي بسببها فغيرك بطريق الأولى . ولما اقتضى قولهم إنكار رسالته صلّى اللّه عليه وسلّم إلا إن فعل كل خارقة ، وأخبر سبحانه وتعالى بأنه مستو مع الخلق في القدرة قال سبحانه وتعالى مخبرا بما اختصه به عنهم : وَأَرْسَلْناكَ أي مختصين لك بعظمتنا لِلنَّاسِ أي كافة رَسُولًا أي تفعل ما على الرسل من البلاغ ونحوه ، وقد اجتهدت في البلاغ والنصيحة ، ولم نجعلك إلها تأتي بما يطلب منك من خير وشر ، فإن أنكروا رسالتك فاللّه يشهد بنصب المعجزات والآيات البينات وَكَفى بِاللَّهِ المحيط علما وقدرة شَهِيداً * لك بالرسالة والبلاغ . ولما نفى عللهم في التخلف عن طاعته إلى أن ختم بالشهادة برسالته ؛ قال مرغبا مرهبا على وجه عام يسكن قلبه ، ويخفف من دوام عصيانهم له ، دالا على عصمته في جميع حركاته وسكناته : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ أي كما هو مقتضى حاله فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ الملك الأعظم الذي لا كفوء له ، لأنه داع إليه ، وهو لا ينطق عن الهوى ، إنما يخبر بما يوحيه إليه وَمَنْ تَوَلَّى أي عن طاعته . ولما كان التقدير : فإنما عصى اللّه . واللّه سبحانه وتعالى عالم به وقادر عليه ، فلو أراد لرده ولو شاء لأهلكه بطغيانه ، فاتركه وذاك ! عبر عن ذلك كله بقوله : فَما أَرْسَلْناكَ أي بعظمتنا عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إنما أرسلناك داعيا . ولما كان من شأن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أن يحفظ من أطاعه ومن عصاه ليبلغ ذلك من أرسله ، وكان سبحانه وتعالى قد أشار له إلى الإعراض عن ذلك ، لكونه لا يحيط بذلك علما وإن اجتهد ؛ شرع يخبره ببعض ما يخفونه فقال حاكيا لبعض أقوالهم مبينا لنفاقهم فيه وخداعهم وَيَقُولُونَ أي إذا أمرتهم بشيء من أمرنا وهم بحضرتك طاعَةٌ أي كل طاعة منا لك دائما ، نحن ثابتون على ذلك ، والتنكير للتعظيم بالتعميم فَإِذا بَرَزُوا