ابراهيم بن عمر البقاعي

276

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما كان كل كدر لا يخلو عن خلاصه ، قال : إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ أي وهم العالمون بأن اللّه سبحانه وتعالى خير لهم من أنفسهم ، وأن حياتهم إنما هي في طاعته ؛ روي أن من هؤلاء ثابت بن قيس بن شماس رضي اللّه تعالى عنه ، قال : أما واللّه ! إن اللّه ليعلم مني الصدق ، لو أمرني محمد أن أقتل نفسي لقتلتها ! وكذا قال ابن مسعود وعمار ابن ياسر رضي اللّه تعالى عنهما ، وروي عن عمر رضي اللّه تعالى عنه أنه قال : واللّه لو أمرنا ربنا لفعلنا ! والحمد للّه الذي لم يفعل بنا ذلك . ولا ريب في أن التقدير : ولكنا لم نكتب عليهم فليشكروا لنا ويستمسكوا بهذه الحنيفية السمحة . ولما كان مبنى السورة على الائتلاف وكان السياق للاستعطاف ، قال مرغبا : وَلَوْ أَنَّهُمْ أي هؤلاء المنافقين فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ أي يجدد لهم الوعظ في كل حين بِهِ لَكانَ أي فعلهم ذلك خَيْراً لَهُمْ أي مما اختاروه لأنفسهم وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً * أي مما ثبتوا به أنفسهم بالأيمان الحانثة وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ أي وإذا فعلوا ما يوعظون به آتيناهم بما لنا من العظمة إيتاء مؤكدا لا مرية فيه . وأشار بقوله : مِنْ لَدُنَّا إلى أنه من غرائب ما عنده من خوارق خوارق العادات ونواقض نواقض المطردات أَجْراً عَظِيماً * وَلَهَدَيْناهُمْ أي بما لنا من العظمة صِراطاً مُسْتَقِيماً * أي يوصلهم إلى مرادهم ، وقد عظم سبحانه وتعالى هذا الأجر ترغيبا في الطاعة أنواعا من العظمة منها التنبيه ب « إذا » ، والإتيان بصيغة العظمة و « لدن » مع العظمة والوصف بالعظيم . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 69 إلى 73 ] وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ( 69 ) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً ( 70 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً ( 71 ) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً ( 72 ) وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً ( 73 ) ولما رغب في العمل بمواعظه ، وكان الوعد قد يكون لغلظ في الموعوظ ، وكان ما قدمه في وعظه أمرا مجملا ؛ رغب بعد ترقيقه بالوعظ في مطلق الطاعة التي المقام كله لها ، مفصلا إجمال ما وعد عليها فقال : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ أي في امتثال أوامره والوقوف عند زواجره مستحضرا عظمته - طاعة هي على سبيل التجدد والاستمرار وَالرَّسُولَ أي في كل ما أراده ، فإن منصب الرسالة يقتضي ذلك ، لا سيما من بلغ نهايتها فَأُولئِكَ أي العالو الرتبة العظيمو الشرف مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ أي بما له من