ابراهيم بن عمر البقاعي

277

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

صفات الجلال والجمال عَلَيْهِمْ أي معدود من حزبهم ، فهو بحيث إذا أراد زيارتهم أو رؤيتهم وصل إليها بسهولة ، لا أنه يلزم أن يكون في درجاتهم وإن كانت أعماله قاصرة . ثم بينهم بقوله : مِنَ النَّبِيِّينَ أي الذين أنبأهم اللّه بدقائق الحكم ، وأنبؤوا الناس بحلائل الكلم ، بما لهم من طهارة الشيم والعلو والعظم وَالصِّدِّيقِينَ * أي الذين صدقوا أول الناس ما أتاهم عن اللّه وصدقوا هم في أقوالهم وأفعالهم ، فكانوا قدوة لمن بعدهم وَالشُّهَداءِ أي الذين لم يغيبوا أصلا عن حضرات القدس ومواطن الأنس طرفة عين ، بل هم مع الناس بجسومهم ومع اللّه سبحانه وتعالى بحلومهم وعلومهم سواء شهدوا لدين اللّه بالحق ، ولسواه بالبطلان بالحجة أو بالسيف ، ثم قتلوا في سبيل اللّه وَالصَّالِحِينَ أي الذين لا يعتريهم في ظاهر ولا باطن بحول اللّه فساد أصلا ، وإلى هذا يشير كلام العارف الشيخ رسلان حيث قال : ما صلحت ما دامت فيك بقية لسواه . وقد تجتمع الصفات الأربع في شخص وقد لا تجتمع ، وأبو بكر رضي اللّه تعالى عنه أحق الأمة بالصديقية وإن قلنا : إن عليا وزيدا رضي اللّه تعالى عنهما أسلما قبله ، لأنه - لكبره وكونه لم يكن قبل الإسلام تابعا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم - كان قدوة لغيره ، ولذلك كان سببا لإسلام ناس كثير وأولئك كانوا سببا لإسلام غيرهم ، فكان له مثل أجر الكل ، وكان فيه حين إسلامه قوة الجهاد في اللّه سبحانه وتعالى بالمدافعة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم - وغير ذلك من الأفعال الدالة على صدقه ، ولملاحظة هذه الأمور كانت رتبتها تلي رتبة النبوة . ولرفع الواسطة بينهما وفق اللّه سبحانه وتعالى هذه الأمة التي اختارها بتولية الصديق رضي اللّه تعالى عنه بعد نبيهم صلّى اللّه عليه وسلّم ودفنه إلى جانبه ، ومن عظيم رتبتهم تنويه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في آخر عمره بهم فقال : « مع الرفيق الأعلى » « 1 » روى البخاري في التفسير عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : سمعت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول « ما من نبي يمرض إلا خير بين الدنيا والآخرة » ، وكان في شكواه الذي قبض فيه أخذته بحّة شديدة ، فسمعته يقول : مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ فعلمت أنه خيّر « 2 » . ولما أخبر أن المطيع مع هؤلاء ، لم يكتف بما أفهم ذكرهم من جلالهم وجلال من معهم ، بل زاد في بيان علو مقامهم ومقام كل من معهم بقوله : وَحَسُنَ أي وما أحسن أُولئِكَ أي العالو الأخلاق السابقون يوم السباق رَفِيقاً * من الرفق ، وهو

--> ( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري 4451 و 3100 و 4449 و 6510 و 890 ومسلم 2443 والطبراني 23 / ( 80 ) ( 81 ) و 82 ) وابن حبان 7116 وابن أبي شيبة 12 / 131 - 132 وأحمد 6 / 121 و 122 و 274 كلهم من حديث عائشة . ( 2 ) صحيح . أخرجه البخاري 4586 ومسلم 2444 وابن ماجة 1620 من حديث عائشة .