ابراهيم بن عمر البقاعي
275
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
الآيات ما مثله آمن عليه البشر » « 1 » أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي اللّه عنه . ولما كان التقدير : فلو أطاعوك لكان خيرا لهم ، عطف عليه قوله : وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ أي حين ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ أي بالتحاكم إلى الطاغوت أو غيره جاؤُكَ أي مبادرين فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ أي عقبوا مجيئهم بطلب المغفرة من الملك الأكرم لما استحضروه له من الجلال وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ أي ما فرطوا بعصيانه فيما استحقه عليهم من الطاعة لَوَجَدُوا اللَّهَ أي الملك الأعظم تَوَّاباً رَحِيماً * أي بليغ التوبة على عبيده والرحمة ، لإحاطته بجميع صفات الكمال ، فقبل توبتهم ومحا ذنوبهم وأكرمهم . ولما أفهم ذلك أن إباءهم لقبول حكمه والاعتراف بالذنب لديه سبب مانع لهم من الإيمان ، قال - مؤكدا للكلام غاية التأكيد بالقسم المؤكد لإثبات مضمونه و « لا » النافية لنقيضه : فَلا وَرَبِّكَ أي المحسن إليك لا يُؤْمِنُونَ أي يوجدون هذا الوصف ويجددونه حَتَّى يُحَكِّمُوكَ أي يجعلوك حكما فِيما شَجَرَ أي اختلط واختلف بَيْنَهُمْ من كلام بعضهم لبعض للتنازع حتى كانوا كأغصان الشجر في التداخل والتضايق . ولما كان الإذعان للحكم بما يخالف الهوى في غاية الشدة على النفس ، أشار إليه بأداة التراخي فقال : ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً أي نوعا من الضيق مِمَّا قَضَيْتَ أي عليهم به ، وأكد إسلامهم لأنفسهم بصيغة التفعيل فقال : وَيُسَلِّمُوا أي يوقعوا التسليم البليغ لكل ما هو لهم من أنفسهم وغيرها للّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم خالصا عن شوب كره ؛ ثم زاده تأكيدا بقوله : تَسْلِيماً * وفي الصحيح أن الآية نزلت في الزبير وخصم له من الأنصار ، فلا التفات إلى من قال : إنه حاطب رضي اللّه عنه . ولما كان التقدير : فقد كتبنا عليهم طاعتك والتسليم لك في هذه الحنيفية السمحة التي دعوتهم إليها وحملتهم عليها ، عطف عليه قوله : وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أي هذا المخاصم للزبير رضي اللّه تعالى عنه وأشباه هذا المخاصم ممن ضعف إيمانه كتابة مفروضة أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أي كما كان في التوراة في كفارة بعض الذنوب مباشرة حقيقة ، وكما فعل المهاجرون بتعريض أنفسهم لذلك ثلاث عشرة سنة ، هم فيها عند أعداء اللّه مضغة لحم بين يدي نسور يتخاطفونها أَوِ اخْرُجُوا كما فعل المهاجرون - رضي اللّه تعالى عنهم - الذين الزبير من رؤوسهم مِنْ دِيارِكُمْ أي التي هي لأشباحكم كأشباحكم لأرواحكم - توبة لربكم ما فَعَلُوهُ أي لقصور إيمانهم وضعف إيقانهم ، ولو كتبناه عليهم ولم يرضوا به كفروا ، فاستحقوا القتل .
--> ( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري 4981 و 7274 ومسلم 152 كلاهما من حديث أبي هريرة .