ابراهيم بن عمر البقاعي
264
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
طردهم الذي له جميع صفات العظمة والكمال ، وأبعدهم عن الخير بِكُفْرِهِمْ أي بدناءتهم بما يغطون من أنوار الحق ودلائل الخير ، فلم يقولوا ذلك . ولما سبب عن طردهم استمرار كفرهم قال : فَلا يُؤْمِنُونَ أي يتجدد لهم إيمان إِلَّا قَلِيلًا * أي منهم ؛ استثناء من الواو ، فإنهم يؤمنون ، أو هو استثناء مفرغ من مصدر يؤمن أي من إيمانهم ببعض الآيات الذي لا ينفعها لكفرهم بغيره . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 47 إلى 48 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً ( 47 ) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً ( 48 ) ولما بكتهم على فعلهم وقولهم وصرح بلعنهم ، خوّفهم إظهار ذلك في الصور المحسوسة فقال مقبلا عليهم إقبال الغضب : يا أَيُّهَا الَّذِينَ مناديا لهم من محل البعد أُوتُوا الْكِتابَ ولم يسند الإيتاء إليه تحقيرا لهم ، ولم يكتف بنصيب منه لأنه لا يكفي في العلم بالمصادقة إلا الجميع آمِنُوا بِما نَزَّلْنا أي تدريجا كما نزلنا التوراة كذلك ، على ما لنا من العظمة التي ظهرت في إعجازه وإخباره بالمغيبات ودقائق العلوم مما عندكم وغيره على رشاقته وإيجازه ؛ وأعلم بعنادهم وحسدهم بقوله : مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ من حيث أنهم له مستحضرون ، وبه في حد ذاته مقرّون . ولما أمرهم وقطع حجتهم ، حذرهم فقال - مخففا عنهم بالإشارة بحرف الجر إلى أنه متى وقع منهم إيمان في زمن مما قبل الطمس أخره عنهم - : مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ أي نمحو وُجُوهاً فإن الطمس في اللغة : المحو ؛ وهو يصدق بتغيير بعض الكيفيات ، ثم سبب عن ذلك قوله : فَنَرُدَّها فالتقدير : من قبل أن نمحو أثر وجوه بأن نردها عَلى أَدْبارِها أي بأن نجعل ما إلى جهة القبل من الرأس إلى جهة الدبر ، وما إلى الدبر إلى جهة القبل ما إبقاء صورة الوجه على ما هي عليه ، أو يكون المراد بالرد على الدبر النقل من حال إلى ما دونها من ضدها بجعلها على حال القفا ، ليس فيها معلم من فم ولا غيره ، ليكون المعنى بالطمس مسح ما في الوجه من المعاني ؛ قال ابن هشام : نطمس : نمسحها فنسويها ، فلا يرى فيها عين ولا أنف ولا فم ولا شيء مما يرى في الوجه ، وكذلك فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ [ القمر : 37 ] المطموس العين : الذي ليس بين جفنيه شق ، ويقال : طمست الكتاب والأثر فلا يرى منه شيء . ويكون الوجه في هذا التقدير على حقيقته ؛ ثم خوفهم نوعا آخر من الطمس فقال عاطفا عل ى ( نردها ) : أَوْ نَلْعَنَهُمْ