ابراهيم بن عمر البقاعي

23

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

الأعمال ، فأنبأ تعالى عما هو الأشد وأبهم ما هو الأضعف : فَيَتَّبِعُونَ في إشعار هذه الصيغة بما تنبىء عنه من تكلف المتابعة بأن من وقع له الميل فلفته لم تلحقه مذمة هذا الخطاب ، فإذا وقع الزلل ولم يتتابع حتى يكون اتباعا سلم من حد الفتنة بمعالجة التوبة ما تَشابَهَ مِنْهُ فأبهمه إبهاما يشعر بما جرت به الكليات فيما يقع نبأ عن الحق وعن الخلق من نحو أوصاف النفس كالعليم والحكيم وسائر أزواج الأوصاف كالغضب والرضى بناء على الخلق في بادىء الصورة من نحو العين واليد والرجل والوجه وسائر بوادي الصورة ، كل ذلك مما أنه متشابهات أنزلها اللّه تعالى ليتعرف للخلق بما جبلهم عليه مما لو لم يتعرف لهم به لم يعرفوه ، ففائدة إنزالها التعرف بما يقع به الامتحان بإحجام الفكر عنه والإقدام على التعبد له ، ففائدة إنزاله عملا في المحكم وفائدة إنزاله فيه توقفا عنه ليقع الابتلاء بالوجهين : عملا بالمحكم ووقوفا عن المتشابه ، قال عليه الصلاة والسّلام : « لا تتفكروا في اللّه » « 1 » وقال علي رضي اللّه تعالى عنه : من تفكر في ذات اللّه تزندق ووافق العلماء إنكار الخلق عن التصرف في تكييف شيء منه ، كما ذكر عن مالك رحمه اللّه تعالى في قوله : الكيف مجهول والسؤال عنه بدعة ، فالخوض في المتشابه بدعة ، والوقوف عنه سنة ؛ وأفهم عنه الإمام أحمد يعني فيما تقدم في آيات الصفات من أن تأويلها تلاوتها ، هذا هو حد الإيمان وموقفه ، وإليه أذعن الراسخون في العلم ، وهم الذين تحققوا في أعلام العلم ، ولم يصغوا إلى وهم التخييل والتمثل به في شيء مما أنبأ اللّه سبحانه وتعالى به عن نفسه ولا في شيء مما بينه وبين خلقه وكان في توقفهم عن الخوض في المتشابه تفرغهم للعمل في المحكم ، لأن المحكم واضح وجداني ، متفقة عليه مدارك الفطن وإذعان الجبلات ومنزلات الكتب ، لم يقع فيه اختلاف بوجه حتى كان لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ، للزوم الواجب من العمل بالمحكم في إذعان النفس ، فكما لا يصلح العراء عن الاتصاف

--> ( 1 ) يشبه الحسن . أخرجه أبو نعيم في الحلية 6 / 67 من حديث عبد اللّه بن سلام ، وإسناده واه . وأخرجه الديلمي في الفردوس 2318 من حديث ابن عباس ولفظ الديلمي : « تفكروا في خلق اللّه ، ولا تفكروا في اللّه فإنكم لن تقدروا قدره ، وإن من السماء السابعة إلى كرسيه ألف نور ، وهو فوق ذلك » . وقال السخاوي في المقاصد الحسنة 342 : رواه ابن أبي شيبة في العرش من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس به قوله . ورواه الأصبهاني في ترغيبه ا ه . وأخرجه البيهقي في الشعب 120 والطبراني في الأوسط كما في المقاصد الحسنة 342 كلاهما من حديث ابن عمر . قال السخاوي : وأسانيدها ضعيفة لكن اجتماعها يكتسب قوة والمعنى صحيح ؛ وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعا : « لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا : خلق اللّه الخلق ، فمن خلق اللّه ؛ فمن وجد من ذلك شيئا فليقل آمنت باللّه » ا ه . مسلم 134 .