ابراهيم بن عمر البقاعي
24
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
بالمحكم لا يصلح الترامي إلى شيء من الخوض في المتشابه لأحد من أهل العلم والإيمان أهل الدرجات ، لأن اللّه سبحانه وتعالى جبل الخلق وفطرهم على إدراك حظ من أنفسهم ومن أحوالهم ، وأوقفهم عن إدراك ما هو راجع إليه ، فأمر اللّه وتجلياته لا تنال إلا بعناية منه ، يزج العبد زجه يقطع به الحجب الظلمانية والنورانية التي فيها مواقف العلماء ؛ فليس في هذا الحرف المتشابه إلا أخذ لسانين : لسان وقفة عن حد الإيمان للراسخين في العلم المشتغلين بالاتصاف بالتذلل والتواضع والتقوى والبر الذي أمر صلّى اللّه عليه وسلّم أن يتبع فيه حتى ينتهي العبد إلى أن يحبه اللّه ، فيرفع عنه عجز الوقفة عن المتشابه ، وينقذه من حجاب النورانية ، فلا يشكل عليه دقيق ولا يعييه خفي بما أحبه اللّه ، وما بين ذلك من خوض دون إنفاذ هذه العناية فنقص عن حد رتبة الإيمان والرسوخ في العلم ، فكل خائض فيه ناقص من حيث يحب أن يزيد ، فهو إما عجز إيماني من حيث الفطر الخلقي ، وإما تحقق إيقاني توجبه العناية والمحبة - انتهى . ولما ذكر سبحانه وتعالى اتباعهم له ذكر علته فقال : ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ أي تمييل الناس عن عقائدهم بالشكوك وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ أي ترجيعه إلى ما يشتهونه وتدعو إليه نفوسهم المائلة وأهويتهم الباطلة بادعاء أنه مآله . قال الحرالي : والابتغاء افتعال : تكلف البغي ، وهو شدة الطلب ، وجعله تعالى ابتغاءين لاختلاف وجهيه ، فجعل الأول فتنة لتعلقه بالغير وجعل الثاني تأويلا أي طلبا للمآل عنده ، لاقتصاره على نفسه ، فكان أهون الزيغين - انتهى . ولما بين زيغهم بين أن نسبة خوضهم فيما لا يمكنهم علمه فقال : وَما أي والحال أنه ما يَعْلَمُ في الحال وعلى القطع تَأْوِيلِهِ قال الحرالي : هو ما يؤول إليه أمر الشيء في مآله إلى معاده إِلَّا اللَّهُ أي المحيط قدرة وعلما ، قال : ولكل باد من الخلق مآل كما أن الآخرة مآل الدنيا يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ [ الأعراف : 53 ] ولذلك كل يوم من أيام الآخرة مآل للذي قبله ، فيوم الخلود مآل يوم الجزاء ، ومآل الأبد مآل يوم الخلود ؛ وأبد الأبد مآل الأبد ، وكذلك كل الخلق له مآل من الأمر ، فأمر اللّه مآل خلقه وكذلك الأمر ، كل تنزيل أعلى منه مآل للتنزيل الأدنى إلى كمال الأمر ، وكل أمر اللّه مآل من أسمائه وتجلياته ، وكل تجل أجلى مآل لما دونه من تجل أخفى ، قال عليه الصلاة والسّلام : « فيأتيهم ربهم في غير الصورة التي يعرفونها - الحديث إلى قوله : أنت ربنا » « 1 » فكان تجليه الأظهر لهم مآل
--> ( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري 6573 ، 7437 ومسلم 182 والترمذي 2557 وابن حبان 7429 وابن أبي عاصم في السنة 455 ، 476 وعبد اللّه بن أحمد في السنة 241 ، 242 والبغوي 4346 والطيالسي -