ابراهيم بن عمر البقاعي
226
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
عليهم قال : مِنْكُمْ أي من عدول المسلمين بأنهن فعلنها فَإِنْ شَهِدُوا أي بذلك فَأَمْسِكُوهُنَّ أي فاحبسوهن فِي الْبُيُوتِ أي وامنعوهن من الخروج ، فإن ذلك أصون لهن ، وليستمر هذا المنع حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أي يأتيهن وهن وافيات الأعراض أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ المحيط علمه وحكمته لَهُنَّ سَبِيلًا * أي للخروج قبل الموت بتبين الحد أو بالنكاح ، وإن لم يشهد الأربعة لم يفعل بهن ذلك وإن تحقق الفعل . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 16 إلى 18 ] وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً ( 16 ) إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 17 ) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 18 ) ولما ذكر أمر النساء أتبعه حكم الرجال على وجه يعم النساء أيضا فقال : وَالَّذانِ وهو تثنية « الذي » وشدد نونه ابن كثير تقوية له ليقرب من الأسماء المتمكنة يَأْتِيانِها مِنْكُمْ أي من بكر أو ثيب ، أو رجل أو امرأة ، ويثبت ذلك بشهادة الأربعة - كما تقدم فَآذُوهُما وقد بين مجمل الأذى الصادق باللسان وغيره آية الجلد وسنة الرجم فَإِنْ تابا أي بالندم والإقلاع والعزم على عدم العود وَأَصْلَحا أي بالاستمرار على ما عزما عليه ، ومضت مدة علم فيها الصدق في ذلك فَأَعْرِضُوا عَنْهُما أي عن أذاهما ، وهو يدل على أن الأذى باللسان يستمر حتى يحصل الاستبراء ، ثم علل ذلك بقوله : إِنَّ اللَّهَ أي الذي له جميع صفات الكمال كانَ تَوَّاباً أي رجاعا بمن رجع عن عصيانه إلى ما كان فيه من المنزلة رَحِيماً * أي يخص من يشاء من عباده بالتوفيق لما يرضاه له ، فتخلقوا بفعله سبحانه وارحموا المذنبين إذا تابوا ، ولا يكن أذاكم لهم إلا للّه ليرجعوا ، وليكن أكثر كلامكم لهم الوعظ بما يقبل بقلوبهم إلى ما ترضاه الإلهية ، ويؤيد أن المراد بهذا البكر والثيب من الرجال والنساء تفسير النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله فيما رواه مسلم والأربعة والدارمي عن عبادة بن الصامت رضي اللّه عنه « قد جعل اللّه لهن سبيلا ، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم » « 1 » فالحديث مبين لما أجمل في الآية من ذكر السبيل .
--> ( 1 ) صحيح . أخرجه الإمام مسلم . 169 وأبو داود 4416 والترمذي 1434 وابن حبان 4425 - 4427 والبيهقي 8 / 222 والدارمي 2 / 181 وأحمد 5 / 313 كلهم من حديث عبادة بن الصامت .