ابراهيم بن عمر البقاعي
227
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما ختم ذلك بذكر توبة الزناة ، وكان الحامل على الزنى - على ما يقتضيه الطبع البشري - شدة الشبق وقلة النظر في العواقب ، وكان ذلك إنما هو في الشباب ؛ وصل بذلك قوله تعالى معرفا بوقت التوبة وشرطها مرغبا في تعجيلها مرهبا من تأخيرها : إِنَّمَا التَّوْبَةُ وهي رجوع العبد عن المعصية اعتذارا إلى اللّه تعالى ، والمراد هنا قبولها ، سماه باسمها لأنها بدون القبول لا نفع لها ، فكأنه لا حقيقة لها . ولما شبه قبوله لها بالواجب من حيث إنه أخبر بها ، لأنه لا يبدل القول لديه ؛ عبر بحرف الاستعلاء المؤذن بالوجوب حثا عليها وترغيبا فيها فقال : عَلَى اللَّهِ أي الجامع بصفات الكمال لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ أيّ سوء كان من فسق أو كفر ، وقال : بِجَهالَةٍ إشارة إلى شدة قبح العصيان ، لا سيما الزنى من المشايخ ، لإشعار السياق ترهيبا بأن الأمر فيهم ليس كذلك - كما صرح به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيما رواه البزار « 1 » بإسناد جيد عن سلمان رضي اللّه عنه « ثلاثة لا يدخلون الجنة : الشيخ الزاني ، والإمام الكذاب ، والعائل المزهو » « 2 » « 3 » وهو في مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي اللّه عنه « ثلاثة لا يكلمهم اللّه يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم : شيخ زان ، وملك كذاب ، وعائل مستكبر » « 4 » وهو عن كثير من الصحابة من طرق كثيرة ، وذلك لأن حضور الموت بالقوة القريبة من الفعل وإضعاف القوى الموهنة لداعية الشهوة قريب من حضوره بالفعل ، وذلك ينبغي أن يكون مذهبا لداعية الجهل ، ما حقا لعرامة الشباب ، سواء قلنا : إن المراد بالجهالة ضد الحلم ، أو ضد العلم ؛ قال الإمام عبد الحق في كتابه الواعي : قال أبو عبد اللّه - يعني القزاز : والجاهلية الجهلاء اسم وقع على أهل الشرك يكون مأخوذا من الجهل الذي هو ضد العلم والذي هو ضد الحلم ، قال : وأصل الجهل من قولهم : استجهلت الريح الغصن - إذا حركته ، فكأن الجهل إنما هو حركة تخرج عن الحق والعلم - انتهى . فالمعنى حينئذ : يعملون السوء ملتبسين بسفه أو بحركة وخفة
--> ( 1 ) هو الإمام العالم أبو بكر أحمد بن عمرو البزار صاحب المسند الكبير المتوفى سنة 292 بالرملة . وهو غير البزار محمد بن الصباح صاحب السنن فهذا الأخير متقدم عليه توفي سنة 227 وهو من شيوخ أحمد بن حنبل . ( 2 ) أي المتكبر . ( 3 ) جيد . أخرجه البزار كما في المجمع 6 / 255 من حديث سلمان وقال الهيتمي : رجاله رجال الصحيح غير العباس بن أبي طالب وهو ثقة ا ه . قلت : وشاهده الآتي يقويه . ( 4 ) صحيح . أخرجه مسلم 107 والنسائي 5 / 86 وأحمد 2 / 433 وابن حبان 4413 والبيهقي 8 / 161 والبغوي 3591 كلهم من حديث أبي هريرة . وله شواهد كثيرة .