ابراهيم بن عمر البقاعي

217

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما أشعر النهي عن أكل الكل بأن لهم في الأكل في الجملة علة مقبولة ، أفصح به في قوله : وَمَنْ كانَ أي منكم أيها الأولياء غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ أي يطلب العفة ويوجدها ويظهرها عن الأكل منها جملة ، فيعف عنه بما بسط اللّه له من رزقه وَمَنْ كانَ فَقِيراً وهو يتعهد مال اليتيم لإصلاحه ، ولما كان يخشى من امتناعه من الأكل منه التفريط فيه بالاشتغال بما يهمه في نفسه ، أخرج الكلام في صيغة الأمر فقال معبرا بالأكل لأنه معظم المقصود : فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ أي بقدر أجرة سعيه . ولما كان ذلك ربما أفهم الأمان إلى الرشد بكل اعتبار ، أمر بالحزم - كما في الطبراني الأوسط عن أنس « احترسوا من الناس بسوء الظن » « 1 » - فقال : فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أي اليتامى أَمْوالَهُمْ أي التي كانت تحت أيديكم لعجزهم عن حفظها فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ أي احتياطا لأن الأحوال تتبدل ، والرشد يتفاوت ، فالإشهاد أقطع للشر ، وأنفع في كل أمر ، والأمر بالإشهاد أزجر للولي عن الخيانة ، لأن من عرف أنه لا يقبل عند الخصام إلا ببينة عف غاية العفة ، واحترز غاية الاحتراز . ولما كانت الأموال مظنة لميل النفوس ، وكان الحب للشيء يعمي ويصم ؛ ختم الآية بقوله : وَكَفى بِاللَّهِ أي الذي له الحكمة البالغة والقدرة الباهرة والعظمة التي لا مثل لها ، والباء في مثل هذا تأكيد لأن ما قرنت به هو الفاعل حقيقة لا مجازا - كما إذا أمرنا بالفعل مثلا حَسِيباً * أي محاسبا بليغا في الحساب ، فهو أبلغ تحذيرا لهم وللأيتام من الخيانة والتعدي ومدّ العين إلى حق الغير . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 7 إلى 8 ] لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً ( 7 ) وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً ( 8 ) ولما ذكر أموال اليتامى على حسب ما دعت إليه الحاجة واقتضاه التناسب إلى أن ختم بهذه الآية ، كان كأن سائلا سأل : من أين تكون أموالهم ؛ فبين ذلك بطريق الإجمال بقوله تعالى : لِلرِّجالِ أي الذكور من أولاد الميت وأقربائه ، ولعله عبر بذلك دون الذكور لأنهم كانوا لا يورثون الصغار ، ويخصون الإرث بمن عمر الديار ، فنبه سبحانه على أن العلة النطفة نَصِيبٌ أي منهم معلوم مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ . ولما كانوا لا يورثون النساء قال : وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ ولقصد التصريح للتأكيد قال

--> ( 1 ) أخرجه الطبراني في الأوسط كما في المجمع 8 / 89 من حديث أنس قال الهيثمي : فيه بقية بن الوليد ، وهو مدلس ، وبقية رجاله ثقات .