ابراهيم بن عمر البقاعي

218

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

موض ع « مما تركوا » : مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مشيرا إلى أنه لا فرق بينهن وبين الرجال في القرب الذي هو سبب الإرث ، ثم زاد الأمر تأكيدا وتصريحا بقوله إبدالا مما قبله بتكرير العامل : مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ثم عرف بأن ذلك على وجه الحتم الذي لا بد منه ، فقال مبينا للاعتناء به بقطعه عن الأول بالنصب على الاختصاص بتقدير أعني : نَصِيباً مَفْرُوضاً * أي مقدرا واجبا مبينا ، وهذه الآية مجملة بينتها آية المواريث ، وبالآية علم أنها خاصة بالعصبات من التعبير بالفرض لأن الإجماع - كما نقله الأصبهاني عن الرازي - على أنه ليس لذوي الأرحام نصيب مقدر . ولما بين المفروض أتبعه المندوب فقال تعالى : وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى أي ممن لا يرث صغارا أو كبارا وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ أي قرباء أو غرباء فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ أي المتروك ، وهو أمر ندب لتطييب قلوبهم ، وقرينة صرفه عن الوجوب ترك التحديد وَقُولُوا لَهُمْ أي مع الإعطاء قَوْلًا مَعْرُوفاً * أي حسنا سائغا في الشرع مقبولا تطيب به نفوسهم . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 9 إلى 10 ] وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ( 9 ) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ( 10 ) ولما أعاد الوصية باليتامى مرة بعد أخرى ، وختم بالأمر بالإنة القول ، وكان للتصوير في التأثير في النفس ما ليس لغيره ؛ أعاد الوصية بهم لضعفهم مصورا لحالهم مبينا أن القول المعروف هو الصواب الذي لا خلل فيه فقال : وَلْيَخْشَ أي يوقع الخشية على ذرية غيرهم الَّذِينَ وذكر لهم حالا هو جدير بإيقاع الخشية في قلوبهم فقال : لَوْ تَرَكُوا أي شارفوا الترك بموت أو هرم ، وصوّر حالهم وحققه بقوله : مِنْ خَلْفِهِمْ أي بعد موتهم أو عجزهم العجز الذي هو كموتهم ذُرِّيَّةً أي أولادا من ذكور أو إناث ضِعافاً أي لصغر أو غيره خافُوا عَلَيْهِمْ أي جور الجائرين . ولما تسبب عن ذلك التصور في أنفسهم خوفهم على ذرية غيرهم كما يخافون على ذريتهم سواء كانوا أوصياء أو أولياء أو أجانب ، وكان هذا الخوف ربما أداهم في قصد نفعهم إلى جور على غيرهم ؛ أمر بما يحفظهم على الصراط السوي بقوله : فَلْيَتَّقُوا وعبر بالاسم الأعظم إرشادا إلى استحضار جميع عظمته فقال : اللَّهَ أي فليعدلوا في أمرهم ليقيّض اللّه لهم من يعدل في ذريتهم ، وإلا أوشك أن يسلط على ذريتهم من يجور عليهم وَلْيَقُولُوا أي في ذلك وغيره قَوْلًا سَدِيداً * أي عدلا قاصدا صوابا ، ليدل هذا الظاهر على صلاح ما أتمره من الباطن .