ابراهيم بن عمر البقاعي
68
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
أخبار القرون الماضية وما نزل من مثلات اللّه بمن مضى وعاند منهم ، منبئا عن الكوائن المستقبلة في الأعصار الآتية من الزمان ، جامعا في ذلك بين الحجة والمحتج له والدليل والمدلول عليه ، ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه ، وأنبأ عن وجوب ما أمر به ونهى عنه ، ومعلوم أن الإتيان بمثل هذه الأمور والجمع بين أشتاتها حتى تنتظم وتتسق أمر تعجز عنه قوى البشر ولا تبلغه قدرتهم ؛ فانقطع الخلق دونه وعجزوا عن معارضته بمثله أو مناقضته في شكله ، ثم صار المعاندون له يقولون مرة : إنه شعر - لما رأوه منظوما - ومرة : إنه سحر - لما رأوه معجوزا عنه غير مقدور عليه ، وقد كانوا يجدون له وقعا في القلوب وفزعا في النفوس يريبهم ويحيرهم ، فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعا من الاعتراف ، ولذلك قالوا : إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة ، وكانوا مرة بجهلهم يقولون : إنه أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [ الفرقان : 5 ] مع علمهم أن صاحبه أمي وليس بحضرته من يملي أو يكتب في نحو ذلك من الأمور التي أوجبها العناد والجهل والعجز - انتهى . وأول كلامه يميل إلى أن الإعجاز بمجرد النظم من غير نظر إلى المعنى ، وآخره يميل إلى أنه بالنظر إلى النظم والمعنى معا من الحيثية التي ذكرها ، وهو الذي ينبغي أن يعتقد لكن في التحدي بسورة واحدة وأما بالعشر فبالنظر إلى البلاغة في النظم فقط - نقله البغوي « 1 » في تفسير سورة هود عن المبرد « 2 » وقد مر آنفا مثله في كلام الجاحظ « 3 » . وقال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في مفتاح الباب المقفل الباب الأول في علو بيان القرآن على بيان الإنسان : اعلم أن بلاغة البيان تعلو على قدر علو المبين ، فعلو بيان اللّه على بيان خلقه بقدر علو اللّه على خلقه ، فبيان كل مبين على قدر إحاطة علمه ، فإذا أبان الإنسان عن الكائن أبان بقدر ما يدرك منه وهو لا يحيط به علمه فلا يصل إلى غاية البلاغة فيه بيانه ، وإذا أنبأ عن الماضي فبقدر ما بقي من ناقص علمه به كائنا في ذكره لما لزم الإنسان من نسيانه ، وإذا أراد أن ينبئ عن الآتي أعوزه البيان كله إلا ما يقدّره أو يزوّره ؛ فبيانه في الكائن ناقص وبيانه في الماضي أنقص وبيانه في الآتي ساقط بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ [ القيامة : 5 ] وبيان اللّه سبحانه عن الكائن بالغ إلى غاية
--> ( 1 ) هو الإمام الحافظ محيي السنة الحسين بن مسعود صاحب معالم التنزيل ، وشرح السنة والتهذيب ، والمصابيح توفي سنة 516 ( 2 ) هو محمد بن يزيد النحوي صاحب الكامل في اللغة مات سنة 285 . ( 3 ) هو عمرو بن بحر الجاحظ صاحب التصانيف من أهل الكلام قيل : أحسن كتبه : البيان والتبيين ، وكتاب الحيوان . مات سنة 250 .