ابراهيم بن عمر البقاعي

67

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

وقال : وإليه ذهب الأكثرون من علماء النظر - أن وجه الإعجاز فيه من جهة البلاغة لكن صعب عليهم تفصيلها ووضعوا فيه إلى حكم الذوق ، قال : والتحقيق أن أجناس الكلام مختلفة ومراتبها في درجات البيان متفاوتة ، فمنها البليغ الرصين الجزل ، ومنها الفصيح القريب السهل ، ومنها الجائز الطلق الرسل ؛ وهذه الأقسام هي الكلام الفاضل المحمود ، فالقسم الأول أعلاه والقسم الثاني أوسطه والقسم الثالث أدناه وأقربه ؛ فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حصة وأخذت من كل نوع شعبة ، فانتظم لها بانتظام هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة ، وهما على الانفراد في نعوتهما كالمتضادين لأن العذوبة نتاج السهولة والجزالة والمتانة يعالجان نوعا من الزعورة « 1 » ، فكان اجتماع الأمرين في نظمه مع نبو « 2 » كل واحد منهما عن الآخر فضيلة خص بها القرآن لتكون آية بينة لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإنما تعذر على البشر جميعا الإتيان بمثله لأمور ، منها أن علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية وأوضاعها التي هي ظروف المعاني ، ولا تدرك أفهامهم جميع معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ ، ولا تكمل معرفتهم باستيفاء جميع وجوه النظوم التي بها يكون ائتلافها وارتباط بعضها ببعض ، فيتوصلوا باختيار الأفضل من الأحسن من وجوهها إلى أن يأتوا بكلام مثله ، وإنما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة لفظ حامل ومعنى به قائم ورباط لهما ناظم ؛ وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة حتى لا ترى شيئا من الألفاظ أفصح ولا أجزل « 3 » ولا أعذب من ألفاظه ، ولا ترى نظما أحسن تأليفا وأشد تلاؤما وتشاكلا من نظمه ؛ وأما معانيه فكل ذي لب يشهد له بالتقدم في أبوابه والترقي إلى أعلى درجاته ، وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرق في أنواع الكلام ، فأما أن يوجد مجموعه في نوع واحد منه فلم توجد إلا في كلام العليم القدير ، فخرج من هذا أن القرآن إنما صار معجزا لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف ، مضمنا أصح المعاني من توحيد اللّه تعالى وتنزيه له في صفاته ، ودعاء إلى طاعته وبيان لطريق عبادته ، في تحليل وتحريم وحظر وإباحة ، ومن وعظ وتقويم وأمر بمعروف ونهي عن منكر ، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق وزجر « 4 » عن مساويها ، واضعا كل شيء منها موضعه الذي لا يرى شيء أولى منه ولا يتوهم في صورة العقل أمر أليق به منه ، مودعا

--> ( 1 ) الزّعارّة : بتشديد الراء شراسة الخلق ا ه مختار . ( 2 ) نبا الشيء عنه تجافى ، وتباعد ، وأنباه دفعه عن نفسه ، والنباوة : ما ارتفع من الأرض ا ه مختار . ( 3 ) الجزيل : العظيم وعطاء جزل وأجزل له من العطاء أي : أكثر واللفظ الجزل ضد الركيك ا ه مختار . ( 4 ) الزجر : المنع والنهي .