ابراهيم بن عمر البقاعي
60
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما كان حرف المحكم مستحق العبد في حق الرب في فطرته التي فطر عليها كان ثابتا في كل ملة وفي كل شرعة فكانت آياته لذلك هن أم الكتاب المشتمل على الأحرف الأربعة ، لتبدلها وتناسخها وتناسبها في الشرع والملل واختلافها على مذاهب الأئمة في الملة الجامعة ، مع اتفاق الملل في الحرف المحكم فهو أمها وقيامها الثابت حال تبدلها وهو حرف الهدى الذي يهدي به اللّه من يشاء ، وقرأته العملة به هم المهتدون أهل السنة والجماعة ، كما أن المتبعين لحرف المتشابه هم المتفرقون في الملل وهم أهل البدع والأهواء المشتغلون بما لا يعنيهم ، وبهذا الحرف المتشابه يضل اللّه من يشاء ؛ فحرف المحكم للاجتماع والهدى ، وحرف المتشابه للافتراق والضلال وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [ الأحزاب : 4 ] . ثم قال : اعلم أن قراءة الأحرف الماضية الأربعة هو حظ العامة من الأمة العاملين لربهم على الجزاء المقارضين له على المضاعفة ، وقراءة هذا الحرف تماما هو حظ المتحققين بالعبودية المتعبدين بالأحوال الصادقة المشفقين من وهم المعاملة ، لشعورهم أن العبد لسيده مصرّف فيما شاء وكيف شاء ، ليس له في نفسه حق ولا حكم ، ولا حجة له على سيده فيما أقامه فيه من صورة سعادة أو شقاوة فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ [ الانفطار : 8 ] عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ [ الواقعة : 63 ] . والذي تحصل به قراءة هذا الحرف إما من جهة القلب فالمعرفة بعبودية الخلق للحق رقّ خلق ورزق وتصريف فيما شاء مما بينه وبين ربه ومما بينه وبين نفسه ومما بينه وبين أمثاله من سائر العباد ، لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ، ولا يأخذ إلا ما أعطاه سيده ، ولا يتقي إلا ما وقاه سيده ، ولا يكشف السوء عنه إلا هو ، فيسلم له مقاليد أمره في ظاهره وباطنه ، وذلك هو الدين عند اللّه الذي لا يقبل سواه إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [ آل عمران : 19 ] و مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [ آل عمران : 85 ] وهو دين النبي العبد ، وما يتحقق للعبد من ذلك عن اعتبار العقل وخلوص اللب هي الملة الحنيفية ملة النبي الخليل - هذا من جهة القلب ؛ وإما من جهة حال النفس فجميع أحوال العبد القن « 1 » المعرق « 2 » في الملك : إنما أنا عبد آكل مثل ما يأكل العبد ؛ وجماع ذلك وأصله الذل انكسارا والذل عطفا والبراءة من الترفع والفخر على سائر الخلق والتحقق بالضعة دونهم على وصف النفس ، بذلك ينتهي حسن
--> ( 1 ) القن العبد إذا ملك هو وأبواه . ( 2 ) عروق وأعراق وعراق : أصل كل شيء والعرقة بالكسر : الأصل .