ابراهيم بن عمر البقاعي
6
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط ، وقال القاضي أبو بكر بن العربي « 1 » في « سراج المريدين » : ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى يكوّن كالكلمة الواحدة متسعة المعاني منتظمة المباني علم عظيم لم يتعرض له إلا عالم واحد عمل فيه سورة البقرة ، ثم فتح اللّه عز وجل لنا فيه ، فلمّا لم نجد له حملة ورأينا الخلق بأوصاف البطلة ختمنا عليه وجعلناه بيننا وبين اللّه ورددناه إليه . ونقل الزركشي عن سلطان العلماء الشيخ عز الدين بن عبد السّلام أنه قال ما حاصله : المناسبة علم حسن لكن يشترط في حسن ارتباط الكلام أن يقع في أمر متحد مرتبط أوله بآخره ، فإن وقع على أسباب مختلفة لم يقع فيه ارتباط ، ومن ربط ذلك فهو متكلف بما لا يقدر عليه إلا بربط ركيك يصان عن مثله حسن الحديث فضلا عن أحسنه ، فإن القرآن نزل في نيف وعشرين سنة في أحكام مختلفة شرعت لأسباب مختلفة ، وما كان كذلك لا يتأتى ربط بعضه ببعض ، قال الزركشي : وقال بعض مشايخنا المحققين : قد وهم من قال : لا يطلب للآي الكريمة مناسبة ، لأنها على حسب الوقائع المتفرقة ، وفصل الخطاب أنها على حسب الوقائع تنزيلا ، وعلى حسب الحكمة ترتيبا وتأصيلا ، مرتبة سوره كلها وآياته بالتوقيف كما أنزل جملة إلى بيت العزة ، ومن المعجز البين أسلوبه ونظمه الباهر ؛ والذي ينبغي في كل آية أن يبحث أول كل شيء عن كونها تكملة لما قبلها أو مستقلة ، ثم المستقلة ما وجه مناسبتها لما قبلها ، ففي ذلك علم جم . انتهى . قلت : والشيخ المشار إليه هو العارف ولي اللّه محمد بن أحمد الملوي المنفلوطي « 2 » الشافعي ذكر ذلك في كلام مفرد على قوله تعالى وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ [ الأنعام : 165 ] وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ [ القصص : 5 ] ونقل الإمام شمس الدين محمود الأصفهاني « 3 » في تفسير قوله تعالى آمَنَ الرَّسُولُ [ البقرة : 285 ] عن الإمام الرازي أنه قال : ومن تأمل في لطائف نظم هذه السورة وفي بدائع ترتيبها علم أن القرآن كما أنه معجز بحسب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه فهو أيضا بسبب ترتيبه ونظم آياته ، ولعل الذين قالوا : إنه معجز بسبب أسلوبه ، أرادوا ذلك ، إلا أني رأيت جمهور المفسرين معرضين عن هذه اللطائف غير متنبهين لهذه الأسرار وليس الأمر في هذا الباب إلا كما قيل :
--> ( 1 ) هو الإمام الحافظ القاضي أبو بكر محمد بن عبد اللّه بن محمد الإشبيلي ولد سنة : 468 جمع وصنف ، وذاع صيته توفي سنة : 543 بفاس بالمغرب . ( 2 ) هو الإمام أبو عبد اللّه محمد بن أحمد بن إبراهيم الشافعي المعروف بابن المنفلوطي ولد سنة : 713 برع في التفسير ، والفقه ، والأصول ، والتصوف كثير العبادة توفي سنة 774 . ( 3 ) هو الإمام المفسر محمود بن عبد الرحمن الشافعي ، من تصانيفه تفسير الأصفهاني المشهور في مجلدات ، توفي سنة : 749 .