أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
350
عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ
قوله تعالى : وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ « 1 » هي فوعلة من ذلك ، لأنّها ضياء ونور ، فأبدلت الواو تاء على حدّ إبدالها في تولج وتيقور . وقد حقّقت ذلك فيما تقدّم . قوله تعالى : وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ « 2 » قيل : هو هنا بمعنى أمامهم ، كذا في التفسير . ومثله قوله تعالى : مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ « 3 » قال ابن عرفة : كيف قال : من ورائهم وهو أمامهم ؟ فزعم أبو عبيدة وأبو عليّ قطرب أنّ هذا من الأضداد . وهذا غير محصّل لأنّ أمام ضدّ وراء ، وإنما يصلح هذا في الأماكن والأوقات ؛ يقول الرجل إذا وعد وعدا لرمضان في رجب ثم قال : من ورائك شعبان ، لجاز وإن كان أمامه لأنه مخلفه إلى وقت وعده ، وأنشد قول لبيد « 4 » : [ من الطويل ] أليس ورائي إن تراخت منيّتي * لزوم العصا تحنى عليها الأصابع ؟ قلت : قوله : إنّما يصلح هذا في الأماكن والأوقات ، فيه نظر لأنّ وراء ظرف مكان ليس إلا . / وقال الأزهريّ في قوله : مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ « 5 » وراء بمعنى خلف وقدّام . ومعناه ما توارى عنك واستتر . وأنشد للنابغة « 6 » : [ من الطويل ] حلفت فلم أترك لنفسك ريبة * وليس وراء اللّه للمرء مذهب أي بعد اللّه . قوله : وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ « 7 » أي سواه ؛ قاله الفرّاء . قلت : كأنّ الأزهريّ جعله متواطئا ، وغيره جعله مشتركا اشتراكا لفظيا لقوله : من الأضداد . فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي « 8 » أي أسترها . وكذا قوله : يُوارِي سَوْآتِكُمْ « 9 » . ومثله : حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ « 10 » .
--> ( 1 ) 3 / آل عمران : 3 . ( 2 ) 79 / الكهف : 18 . ( 3 ) 20 / البروج : 85 . ( 4 ) الديوان : 170 ، وذكر الشارح أن وراء هنا في معنى قدام . ( 5 ) 16 / إبراهيم : 14 . ( 6 ) الديوان : 76 . المذهب : المهرب . ( 7 ) 91 / البقرة : 2 . ( 8 ) 31 / المائدة : 5 . ( 9 ) 26 / الأعراف : 7 . ( 10 ) 32 / ص : 38 .