أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
345
عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ
عن غيره : إنه أراد بالسّمع وعي ما يسمع والعمل به ، وبالبصر الاعتبار بما يرى من صفاته جلّ وعزّ . الوارث هو الباقي بعد فناء خلقه . فيجوز أنّه أراد بقاء السمع والبصر وقوّتهما عند الكبر وانحلال القوى النّفسانية ، ويكون السّمع والبصر وارثي سائر القوى والباقيين بعدها . وردّ الهاء إلى الإمتاع ، ولذلك وحّدها بمعنى أنّه أعاد الضّمير مفردا وإن تقدّم شيئان اعتبارا بالمصدر المدلول عليه الفعل . قوله تعالى : وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ « 1 » أي يرث العلم والنّبوّة ؛ تمنّى بقاء العلم والنبوّة في عقبه ؛ فإنّ الأنبياء لا يورّثونه « 2 » ، إنّما يورّثون العلم ، لأنّهم لا يعرفون به « 3 » ولا يقتنونه إلا بقدر ما تدفع الحاجة ، ولا يتنافسون فيه بل ينهون عن الاستكثار منه ، وعن الاشتغال به عمّا الإنسان بصدده من الأمور الأخرويّة ، ويزهدون في الدّنيا ويرغبون في الآخرة . فكيف يتمنّون أن يورثوا غيرهم ذلك ؟ وقد قال عليه الصلاة والسّلام : « نحن معاشر الأنبياء لا نورث ، ما تركناه صدقة » « 4 » . وقوله عليه الصلاة والسّلام : « العلماء ورثة الأنبياء » « 5 » إشارة إلى ما يورّثونه من العلم ، والتقدير عليه والأمر به دون إحداث شريعة أخرى . وفي قوله : « الأنبياء » دقيقة ، وذلك أنّ شأن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقرّر شريعة من تقدّمه من الرسل ، ويحمل الناس عليها من غير تشريع جديد بخلاف الرّسول فإنه يأتي بشريعة أخرى غير التي كانت لمن قبله . فلذلك قال « ورثة الأنبياء » ولم يقل : « ورثة الرّسل » فإنّ كلّ رسول نبيّ من غير عكس . وقال عليه الصلاة والسّلام لابن عمّه عليّ : « أنت أخي ووارثي . قال : وما أرثك ؟ قال : ما ورّثت الأنبياء قبلي ؛ كتاب اللّه وسنّتي » « 6 » وناهيك بهاتين المنقبتين لأمير المؤمنين لو لم يكن غيرهما لكفتاه فخرا . قوله : أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ « 7 » أي يتمكّنون
--> ( 1 ) 6 / مريم : 19 . ( 2 ) يريد : لا يورثون المال . ( 3 ) وفي س : لا يعنون به . ( 4 ) رواه الإمام أحمد بن حنبل : 2 ، 463 ، والبخاري في الخمس : 1 . ( 5 ) المفردات : 519 . ( 6 ) المصدر السابق . ( 7 ) 105 / الأنبياء : 21 .