أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
346
عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ
فيها فيكونون كما أخبر عنهم الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ « 1 » لأنّهم يتكبّرون على أهلها ويرثون عنهم أموالها وخراجها ، ويضيّقون عليهم مسالكها ومساكنها ، ويخيفون سبلها . قال بعضهم في هذه الآية : الوراثة الحقيقية أن يحصل للإنسان شيء لا يكون عليه ولا فيه تبعة ولا عليه محاسبة . وعباد اللّه الصالحون لا يتناولون شيئا من الدنيا إلا بقدر ما يجب ، وعلى الوجه الذي يجب . ومن تناول الدنيا على هذا الوجه لا يحاسب عليه ولا يعاقب ، بل يكون ذلك عفوا صفوا . كما روي : « من حاسب نفسه في الدّنيا لم يحاسبه اللّه / في الآخرة » . ور د : قوله تعالى : وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ « 2 » . أصل الورود قصد الماء ، ثم يستعمل في غيره اتّساعا . قال تعالى : فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ « 3 » . وقال : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها « 4 » . والورود : الماء المرشّح للورود . وقيل في قوله تعالى : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها أي حاضرها وإن لم يشرع فيها . وقيل : يقتضي ذلك الشّروع إلا أنّه من كان من الأولياء لا يؤثّر فيه ، بل يكون حاله في الآخرة كحال خليل الرحمن في الدّنيا حيث ألقي في النار . قال ابن عرفة : الورد عند العرب موافاة المكان قبل دخوله . وقد يكون الورود دخولا . قال : ويؤيد كونه ليس بدخول حديث عائشة . وقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ « 5 » . وقوله : وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ أي بلغه . وأنشد لزهير بن أبي سلمى « 6 » : [ من الطويل ] فلمّا وردن الماء زرقا جمامه * وضعن عصيّ الحاضر المتخيّم قوله : وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ « 7 » الورد هو الماء الذي يورد ، ويكون للإبل
--> ( 1 ) 41 / الحج : 22 . ( 2 ) 23 / القصص : 28 . ( 3 ) 98 / هود : 11 . ( 4 ) 71 / مريم : 19 . ( 5 ) 101 / الأنبياء : 21 . ( 6 ) شعر زهير : 13 . زرقا جمامه : صاف . الجمام : جمع جمة وهو ما اجتمع من الماء . ( 7 ) 98 / هود : 11 .