أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
336
عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ
وبالكتابة . وقد حمل على ذلك قوله : فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا « 1 » . قيل : رمز ، وقيل : كتب ، وقيل : اعتبار . وعلى هذه الوجوه المذكورة حمل قوله : يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً « 2 » . قال : ويقال للكلمة الإلهية التي تلقى إلى أنبيائه وأوليائه وحي ، وذلك أضرب حسبما دلّ عليه قوله تعالى : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ « 3 » ذلك إمّا برسول مشاهد يرى ذاته ويسمع كلامه كتبليغ جبريل عليه الصلاة والسّلام للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في صورة معيّنة ، وإمّا بسماع كلام من معاينة كسماع موسى عليه السّلام كلام اللّه ، وإمّا بإلقاء في الرّوع كما ذكر عليه الصلاة والسّلام « إنّ روح القدس نفث في روعي » ، وإمّا بإلهام نحو : وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ « 4 » ، وإمّا بتسخير نحو قوله تعالى : وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ « 5 » ، أو بمنام كقوله عليه الصلاة والسّلام : « انقطع الوحي وبقيت المبشّرات رؤيا المؤمن » « 6 » . قال : فالإلهام والتّسخير والنّوم دلّ عليه قوله : إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ، وتبليغ جبريل في صورة معيّنة دلّ عليه قوله تعالى : أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا انتهى . يعني : أنّ الوحي يقع على أوجه أحدها : الوحي من اللّه لأنبيائه على لسان ملك أو من غير ملك ، وهذا الوحي الخاصّ لا يشرك الأنبياء فيه غيرهم من البشر . وقد وقع لنبيّنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم على أوجه حسبما هو مذكور عنه عليه الصلاة والسّلام في الأحاديث المشهورة . وثانيها أن يكون إلهاما . وثالثها أن يكون إشارة . ورابعها أن يكون كتابة . قيل : خطّ لهم في الأرض : سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا . وخامسها أن يكون بالقهر والتّسخير . وسادسها أن يكون أمرا : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ « 7 » أي أمرتهم .
--> ( 1 ) 11 / مريم : 19 . ( 2 ) 112 / الأنعام : 6 . ( 3 ) 51 / الشورى : 42 . ( 4 ) 7 / القصص : 28 . ( 5 ) 68 / النحل : 16 . ( 6 ) رواه البخاري في الشهادات : 5 . ( 7 ) 111 / المائدة : 5 .