أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
202
عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ
فصل النون والشين ن ش أ : قوله تعالى : ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ « 1 » الإنشاء : ابتداء الخلق ، وكلّ من ابتدأ خلق شيء واخترعه فقد أنشأه . ومنه : أنشأ الشاعر القصيدة . وأنشأ فلان يفعل كذا ، أي ابتدأ في فعله . والإنشاء الإختراعيّ غير المسبوق بمثال لا يليق إلا بالباري تعالى . قال تعالى : وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ « 2 » . قوله : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى « 3 » يعني خلقكم الأول ، وهو ما ثبت بالدليل من خلق أصلكم من تراب ، أو خلق أنفسكم من كونكم نطفا في أصلاب الآباء ، ثم تقذف في بطون الأمهات ، ثم تتصور تلك النّطفة ، إلى أن تخرج بشرا سويا ؛ لا يكابر في ذلك إلا معاند . وجعلت الأولى باعتبار النّشأة الأخرى ، وهو بعثهم أحياء بعد إماتتهم وصيرورتهم رمما . قال تعالى : ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ « 4 » جعلها نشأة باعتبار تفرّق أوصالهم وبلاء أجسادهم وتقطّع أبدانهم . يقال : نشأة ونشاءة نحو رأفة ورآفة ، وكأبة وكآبة . وقد قرىء بهما في المتواتر . قوله : أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها « 5 » أي ابتدعتم الشجر ، وهو المرخ « 6 » والغفار يحكّ أحدهما بالآخر فتخرج النار مع كونه أخضر يقطر ماء . فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ « 7 » . قوله : أَ وَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ « 7 * » أي يتربّى في الحلي والزّينة . يعني : النساء ربّات الحجول . وقرىء : « ينشّأ » بالتشديد « 8 » .
--> ( 1 ) 14 / المؤمنون : 23 . ( 2 ) 98 / الأنعام : 6 . ( 3 ) 62 / الواقعة : 56 . ( 4 ) 20 / العنكبوت : 29 . ( 5 ) 72 / الواقعة : 56 . ( 6 ) المرخ : شجر رقيق سريع الوري يقتدح به . والغفار : صغار الكلأ . ( 7 ) 83 / يس : 36 . ( 7 * ) 18 / الزخرف : 43 . ( 8 ) يريد : قرىء بالتخفيف كما قرىء بالتشديد ؛ فعند الفراء أن يحيى بن وثاب وأصحاب عبد اللّه والحسن -