أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

119

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

قوله : بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ « 1 » قيل : أضاف الحدث لظرفه الواقع فيه ، أي مكر في الليل ، والإضافة تكون بمعنى في . والأحسن أن تكون على المبالغة ؛ جعل الظرفين ماكرين مبالغة ، كقوله « 2 » : [ من البسيط ] أما النّهار ففي قيد وسلسلة * والليل في بطن منحوت من السّاج جعل النهار في قيد وسلسلة ، والليل في صندوق ، والمراد أنّ الأسر فعل ذلك فيهما . ومثله : نهاره صائم وليله قائم ، ومثله : فِي يَوْمٍ عاصِفٍ « 3 » وقيل : المكر صرف الغير عمّا يقصده بحيلة من الحيل ، وهو ضربان : محمود وهو أن يتحرّى به فعل جميل ، وعليه قوله تعالى : وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ « 4 » . ومن المكر إمهال اللّه العبد ، وتمكينه من الأعراض الدّنيوية استدراجا له . وعلى ذلك قال أمير المؤمنين علي كرم اللّه وجهه : « من وسّع عليه دنياه ولم يعلم أنه مكر به فهو مخدوع عن عقله » « 5 » . م ك ك : قوله تعالى : بِبَطْنِ مَكَّةَ « 6 » . مكة هذه البلدة الشريفة المعروفة ، رزقنا اللّه تعالى بحرمة نبيّه العود إليها . قيل : اشتقاقها من مكّ الفصيل ضرع أمّه وامتكّه : إذا شرب ما فيه من اللبن ؛ سميت بذلك لأنها تمكّ من فيها من الظّلمة ، أي تستأصلهم ، فلا ترى فيها جبارا إلا أخذ ، ولا يقصدها سلطان بظلم إلا قصم . وتمكّكت العظم : أخرجت مخّه . فعبّر عن الاستقصاء بالتمكّك ، وقال الخليل : سميت بذلك [ لأنها ] « 7 » وسط الأرض كالمخّ الذي هو وسط العظم وأصله . وفي الحديث :

--> ( 1 ) 33 / سبأ : 34 . ( 2 ) من شواهد الكتاب ( 1 / 161 ) ، ونسبه المبرد في الكامل ( 700 ) إلى لص من أهل البحرين . والساج : شجر من الهند . وفي الكتاب : في قعر منحوت . ( 3 ) 18 / إبراهيم : 14 . ( 4 ) 43 / فاطر : 35 . ( 5 ) المفردات : 471 . وفي الأصل : على عقله . ( 6 ) 24 / الفتح : 48 . ( 7 ) إضافة يقتضيها السياق .