أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
103
عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ
وتحويلهما من صورة إلى صورة . قال بعض الحكماء : المسخ ضربان ؛ ضرب يحصل في بعض الأزمان دون بعض وهو مسخ الخلق وتحويل الصّور . وهذا كما مسخ اللّه طائفة من اليهود فجعل شبابهم قردة وشيوخهم خنازير . ومنه قوله تعالى : وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ « 1 » وقال : فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً « 2 » . والمنقول أنّ هؤلاء لم يتناسلوا ولم يعيشوا إلا ثلاثا عن ابن عباس . وضرب يحصل في كلّ زمان وهو تغيير الخلق ، وذلك أن يصير الإنسان متخلقا بخلق ذميم من أخلاق بعض الحيوانات ، كأنه يصير في شدّة الحرص كالكلب ، وفي شدّة الشّره كالخنزير ، وفي شدّة الغمارة كالثور ، وفي شدّة البلادة كالحمار ، قال الراغب : وقوله : وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ يتضمّن الأمرين وإن كان الأول أظهر ، يعني تحويل الصورة إلى صورة أخرى . والمسيخ من الطعام : ما لا طعم له . ومسخت الناقة : أنضيتها حتى أزلت خلقتها عن حالها ، قال الشاعر « 3 » : [ من المتقارب ] وأنت مسيخ كلحم الحوار والماسخيّ : القوّاس ، وأصله أنّ رجلا كان منسوبا إلى ماسخة قبيلة معروفة تعمل القسيّ ، فسمي كلّ قّواس باسمه ، كما قيل لكل حدّاد هالكيّ . م س د : قوله تعالى : فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ « 4 » أي ليف ، وقيل : ليف يتّخذ من ليف النّخل فيمسد ، أي يفتل ومنه امرأة ممسودة ، أي مطويّة الخلق غير مفاضة ولا رهلة ، كأنّما فتل جسدها بالشّحم . والمسد : الحبل من أيّ شيء اتّخذ ، قال الشاعر : [ من الرجز ] يا ربّ عيسى لا تبارك في أحد * في قائم منهم ولا في من قعد إلا الذين قاموا بأطراف المسد « 5 »
--> ( 1 ) 60 / المائدة : 5 . ( 2 ) 65 / البقرة : 2 . ( 3 ) المفردات : 468 . ( 4 ) 5 / المسد : 11 . ( 5 ) كذا في الأصل !