أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

84

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

للحمية والأنفة المذمومة ، وذلك في قوله : أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ . وقد تستعار العزة للصعوبة . ومنه قوله تعالى : عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ « 1 » أي صعب عليه مشقّتكم . وقيل : من عزّ بزّ . أي من غلب سلب . وعزّ المطر الأرض : صلّبها . وقد تستعار العزة للقلة اعتبارا بما قيل : كلّ موجود ملول وكلّ مفقود مطلوب . واستعزّ فلان : إذا غلب بمرض أو موت . قوله : وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ « 2 » أي يصعب وجود مثله . وفي الحديث : « فاستعزّ برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم » « 3 » أي اشتدّ به المرض وأشرف على الموت . وفلان معزاز المرض ، أي شديده . وقال ابن عمر لجماعة اشتركوا في قتل صيد : « إنكم لمعزّز بكم » « 4 » أي مشدد بكم . وكانوا قالوا : على كلّ منا جزاء ، فأفتاهم بجزاء واحد . قوله تعالى : فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ « 5 » أي قوّينا . وقرىء مخففا ومشدّدا « 6 » وفي التشديد مبالغة ، يقال عزّزته وعززته : قوّيته وشدّدته . وفي كتابه عليه الصلاة والسّلام لقوم : « وأنّ لهم عزازها » « 7 » أي ما اشتدّ وصلب من الأرض ، وذلك يكون في أطراف الأرض . ومن ظريف ما يحكى أنّ الزّهريّ قال : كنت أختلف إلى أبي عبيد اللّه بن عتبة بن مسعود فكنت أخدمه . وذكر جهده في الخدمة ، فقدّرت أني استنظفت ما عنده ، فلما خرج لم أقم له ولم أظهر من تكرمته ما كنت أظهره من قبل . قال : فنظر إليّ فقال : « إنّك في العزاز - أي أنت في الأطراف من العلم لم تتوسّطه بعد - فقم » « 8 » . قوله : أَعِزَّةٍ أي أشداء عَلَى الْكافِرِينَ « 9 » كما صرّح بهذا الوصف عينه نفسه في موضع ، وقال : أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وقال : رُحَماءُ بَيْنَهُمْ « 10 » . فما أحلى تفنّن القرآن وانتقال أساليبه ! قوله :

--> ( 1 ) 128 / التوبة : 9 . ( 2 ) 41 / فصلت : 41 . ( 3 ) النهاية : 3 / 228 ، في حديث مرضه . ( 4 ) النهاية : 3 / 228 . ( 5 ) 14 / يس : 36 . ( 6 ) قرأ عاصم بالتخفيف وحفص بالتشديد ( معاني القرآن : 2 / 374 وحاشيته ) . ( 7 ) النهاية : 3 / 229 ، من كتابه لوفد همدان . ( 8 ) النهاية : 3 / 229 . ( 9 ) 54 / المائدة : 5 . ( 10 ) 29 / الفتح : 48 .