أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

64

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

وعرّشت البئر ، أي جعلت له عريشا « 1 » . وسمي مجلس السلطان عرشا اعتبارا بعلوّه . ثم عبّر به عن العزّ والمنعة والقوة ، لأنه محلّ صدور ذلك وقراره وهو المراد بعرش الباري تعالى . ويجوز أن يكون عرشا جسمانيا ولكنه في الهيئة والخلقة لا يعلم كنه ذلك إلا خالقه . واستواؤه عليه هو استيلاؤه - وقد مضى تفسير ذلك - لا الاستواء المعلوم . قال الراغب « 2 » : وعرش اللّه مما لا يعلمه البشر على الحقيقة إلا بالاسم . قال : وليس كما تذهب إليه أوهام العامّة فإنه لو كان كذلك لكان حاملا له تعالى عن ذلك لا محمولا ، واللّه تعالى يقول : إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ « 3 » وليس كما قال قوم إنه الفلك الأعلى ، والكرسيّ فلك الكواكب . قال : واستدلّوا على ذلك بما روي عنه عليه الصلاة والسّلام : « ما السماوات السبع والأرضون السبع في جنب الكرسيّ إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة » « 4 » والكرسيّ عند العرش كذلك . قلت : لا يلزم من قال : إن العرش جسم وفلك أن يكون حاملا للّه تعالى بل العرش وحملته وما سوى ذلك محمولون بقدرته تعالى . والقرآن قد ورد بأنّ للباري تعالى « 5 » عرشا موجودا جسمانيا محمولا وهو قوله تعالى : وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ « 6 » . وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ « 7 » فأيّ محذور في أن يكون له عرش كما أنّ له سماوات وأرضا ، ولا نقول إن شيئا من ذلك يحويه ولا هو مقولة « تبارك و » « 8 » تعالى عن ذلك ؟ وقيل : العرش سرير الملك فعبّر به عن ملكوت ربّنا لأنه ملك الملوك . قوله : وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ تنبية أن عرشه تعالى لم يزل مستعليا مذ وجد على

--> ( 1 ) وفي الأصل : عرشا . ( 2 ) المفردات : 329 . ( 3 ) 41 / فاطر : 35 . ( 4 ) المفردات ، تابع النقل . ( 5 ) ساقطة من ح . ( 6 ) 17 / الحاقة : 69 . ( 7 ) 7 / هود : 11 . ( 8 ) ساقط من ح .