أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

69

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

ربطت الفرس أربطه ، فاستعير في إلهام الطمأنينة والصبر على المكاره لحصول تقوية القلب وتشديده بتوفيق اللّه تعالى . وسمي المكان الذي يخصّ بإقامة حفظة فيه رباطا . والمرابطة : كالمحافظة ؛ وهو ضربان : مرابطة في ثغور المسلمين ، ومرابطة النفس فإنها كمن أقيم في ثغر وفوّض إليه مراعاته ، فيحتاج أن يراعيه غير مخلّ به . وذلك كالمجاهدة . وفي الحديث من المرابطة « انتظار الصلاة بعد الصلاة » « 1 » وفلان رابط الجأش : إذا قوي قلبه . وقوله تعالى : وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ « 2 » إشارة إلى نحو قوله تعالى : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ « 3 » عكس من قال فيهم : وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ « 4 » قوله : وَرابِطُوا « 5 » فيه قولان أحدهما : أقيموا على جهاد عدوّكم ورباط خيولكم . والثاني : ما قال عليه الصلاة والسّلام من « إسباغ الوضوء على المكاره وانتظار الصلاة ألا فذلكم الرّباط » . وقوله : وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ « 6 » يعني ارتباطها وحبسها معدّة للقتال . وقرأ عبد اللّه : وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ « 7 » فربط : جمع رباط نحو حمر وحمار . وقال الهرويّ : يقال رباط وأربطة ثم ربط ، ظاهره أنّ ربطا جمع أربطة ، ولكن لا يريد ذلك لفساده صناعة . وقال القتيبيّ : المرابطة أن يربط هؤلاء خيولهم في ثغر ، وهؤلاء خيولهم في ثغر . يعني : فالمفاعلة محقّقة في ذلك . وفرس ربيط أي مربوط . وفي الحديث : « إنّ ربيط بني إسرائيل » « 8 » أي حكيمهم الذي ربط نفسه عن الدنيا « 9 » والرّبيط أيضا : رطب يصبّ عليه عسل ونحوه لئلا يجفّ . والرّباط أيضا : المواظبة على الشيء وما يربط « 10 » به من حبل ونحوه .

--> ( 1 ) النهاية : 2 / 185 ، وتتمته : « . . فذلكم الرّباط » . ( 2 ) 11 / الأنفال : 8 . ( 3 ) 4 / الفتح : 48 . ( 4 ) 43 / إبراهيم : 14 . ( 5 ) 200 / آل عمران : 3 . ( 6 ) 60 / الأنفال : 8 . والحديث قبله في النهاية : 2 / 185 . ( 7 ) وكذا قرأها الحسن ، وقرأها أبو حيوة « ربط » ( مختصر الشواذ : 50 ) . ( 8 ) النهاية : 2 / 186 . ( 9 ) أي شدّها ومنعها . ( 10 ) وفي الأصل : يرابط .