أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

492

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

« ماله شجاع أقرع فيطوّق به » « 1 » وأصل الطّوق يجعل في العنق خلقة كطوق الحمامة ، أو صنعة كطوق الذهب . ثم يجعل عبارة عن الأشياء اللازمة فيقال : طوّقني فلان منّته ونعمته ، أي جعلها بمنزلة طوق في عنقي . وفي المثل : « شبّ عمرو عن الطّوق » هو عمرو ابن أخت جذيمة كان له طوق من ذهب ، فلما اختطف وعاد لخاله في حكاية طويلة جيء بالطوق فضاق عنه . فقال جذيمة : شبّ عمرو عن الطوق ، فصارت مثلا لمن كبر عن شيء . قوله : وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ « 2 » أي يقدرون عليه ، من أنّ أطاق كذا يطيقه إطاقة . وطاقة كطاعة من أطاع . وقرئ : يطوّقونه من الطّوق وهو القدرة . وقرئ : يطيّقونه وفي الحرف قراءات توجيهها فيما هو أليق بها من هذا « 3 » . قوله : رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ « 4 » . قيل : الطاقة : اسم لما يقدر الإنسان أن يفعله بمشقّة ، وذلك تشبيه بالطّوق المحيط بالشيء . فمعنى الآية : لا تحمّلنا ما يصعب علينا مزاولته . وليس معناه : لا تحمّلنا ما لا قدرة لنا به ، وذلك لأنّه تعالى قد يحمّل الإنسان ما يصعب عليه ، كما قال تعالى : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ « 5 » وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ « 6 » أي خفّفنا عنك العبادات الصعبة التي في تركها الوزر ؛ قاله الراغب « 7 » وهو حسن ، وينفعنا هذا في مسألة تكليف ما لا يطاق ؛ وهو أنّ بعضهم استدلّ بها على جوازها « 8 » منه . قال : لأنه لو لم يكن

--> ( 1 ) النهاية : 3 / 143 ، وروايته فيه : « يطوّق ماله شجاعا أقرع » . ( 2 ) 184 / البقرة : 2 . ( 3 ) « يطيقونه » يعني الصيام . وروى الأخفش قراءة « يطوّقونه » أي يتكلفون الصيام ، ولم يعزها ، بينما ابن خالويه عزاها إلى مجاهد ، وجعلها الطبري إلى ابن عباس وعكرمة وابن جبير وعائشة وعطاء مع مجاهد . وذكر ابن خالويه قراءة « يتطوّقونه » لعطاء عن ابن عباس ، وقراءة « يطيّقونه » قراءة مجاهد عن ابن عباس ، وفيه أيضا قراءته « يطّيّقونه » ( معاني القرآن للأخفش : 1 / 351 ، ومختصر الشواذ : 11 و 12 ، وتفسير الطبري : 3 / 418 و 429 و 430 ) . ويعلق ابن منظور تعليقا حسنا يقول : « ومن الشواذ قراءة ابن عباس ومجاهد وعكرمة ( وعلى الذين يطوّقونه ، ويطّوّقونه ، ويطيّقونه ، ويطّيّقونه ) ؛ فيطوّقونه يجعل كالطوق في أعناقهم . ويطّوّقونه أصله يتطوّقونه فقلبت التاء طاء وأدغمت في الطاء . ويطيّقونه أصله يطيوقونه فقلبت الواو ياء . . » ( اللسان - طوق ) . ( 4 ) 286 / البقرة : 2 . ( 5 ) 157 / الأعراف : 7 . ( 6 ) 2 / الشرح : 94 . ( 7 ) المفردات : 312 . وفي الأصل : قال الراغب ، فما سبق للراغب وما لحق تعليق المصنف . ( 8 ) وفي ح : جواز .