أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
444
عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ
عن أبيهم ما قالوه . فإن كانوا غير أنبياء فذاك ، وإن كانوا هم فيعنون في بعد عن عادة الناس في محبة أولادهم وغيبوبة الإضلال الذي هو مقابل بالهداية . قوله تعالى : لا يَضِلُّ رَبِّي « 1 » أي لا يغفل عنه . قوله : أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما « 2 » أي تنسى بدليل قوله : فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى . وقرئ : فَتُذَكِّرَ بالتشديد فذلك من النسيان الموضوع عن الإنسان . والضّلال من وجه آخر ضربان : ضلال في العلوم النظرية ، كالضلال في معرفة الوحدانية ومعرفة النبوّة المشار إليهما بقوله تعالى : وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً « 3 » . أو ضلال في العلوم العمليّة كمعرفة الأحكام الشرعية التي هي العبادات . قوله : فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ « 4 » أي في عقوبة الضّلال البعيد . قوله : أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ « 5 » أي غبنا ، / 209 وهو كناية عن الموت واستحالة البدن / . وقرئ بالمهملة وقد تقدّم تفسيره . ويقال : أضللت اللبن في الماء . قوله : أَ لَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ « 6 » في تضييع وبطلان . قوله : وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ « 7 » أي أضلّوا غيرهم . والإضلال ضربان : أحدهما أن يكون بسببه الضّلال ، وذلك على وجهين ؛ إما أن يضلّ عنك الشيء كقولك : أضللت الدابّة ، أي ضلّت عني . وإمّا أن يحكم بضلاله . فالضلال في هذين سبب للإضلال . والثاني أن يكون الأمر بالعكس ، فيكون الإضلال سببا للضّلال ؛ وهو أن يزيّن واحد لآخر الباطل فيضلّ كقوله تعالى : لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ « 8 » أي يتحرّون أفعالا يقصدون بها ضلالك ، فلا يحصل من ذلك التحرّي إلا ما فيه ضلال أنفسهم . وإضلال الباري تعالى لعباده يقال باعتبارين : أحدهما أن يكون سببه
--> ( 1 ) 52 / طه : 20 . ( 2 ) 282 / البقرة : 2 . ( 3 ) 136 / النساء : 4 . ( 4 ) 8 / سبأ : 34 . ( 5 ) 10 / السجدة : 32 . ( 6 ) 2 / الفيل : 105 . ( 7 ) 77 / المائدة : 5 . ( 8 ) 113 / النساء : 4 .