أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

445

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

الضلال ، وهو أن يضلّ الإنسان فيحكم اللّه عليه بذلك في الدنيا ، ويعدل به عن طريق الجنة إلى طريق النار في الآخرة ، وذلك الإضلال هو حقّ وعدل ، فالحكم على الضالّ بضلاله ، والعدول به إلى النار عدل . والثاني من إضلاله تعالى وضع جبلّة الإنسان على هيئة إذا راعى طريقا محمودا كان أو مذموما ألفه واستطابه ولزمه وتعذّر « 1 » صرفه وانصرافه عنه ، ويصير ذلك كالطّبع ، ومن ثمّ قيل : العادة طبع « 2 » : [ من المتقارب ] يراد من القلب نسيانكم * وتأبى الطباع على الناقل وهذه القوة في الإنسان فعل إلهيّ ؛ قال الراغب « 3 » : وإذا كان كذلك ، وقد ذكر في غير هذا الموضع أن كلّ شيء يكون سببا في وقوع فعل تصحّ نسبة ذلك الفعل إليه . فيصحّ أن ينسب ضلال العبد إلى اللّه من هذا الوجه فيقال : أضلّه اللّه ، لا على الوجه الذي يتصوره الجهلة . قال : ولما قلناه جعل الإضلال المنسوب إلى نفسه للكافر والفاسق دون المؤمن بل نفى عن نفسه إضلال المؤمن فقال تعالى : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ « 4 » وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ « 5 » . وقال في الكافر والفاسق : وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ « 6 » وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ « 7 » . قال : وعلى هذا النحو تقليب الأفئدة والأبصار في قوله : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ « 8 » . والختم على القلب في قوله تعالى : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ « 9 » . وزيادة المرض في قوله : فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً « 10 » . قلت : مذهبه في ذلك مذهب معتزليّ ، والحقّ أنه يجوز نسبة ذلك إلى اللّه حقيقة

--> ( 1 ) وفي الأصل : تعسر . ( 2 ) البيت للمتنبي في مديح سيف الدولة ( شرح العكبري : 3 / 22 ) . ( 3 ) المفردات : 299 . ( 4 ) 115 / التوبة : 9 . ( 5 ) 4 / محمد : 47 . ( 6 ) 8 / محمد : 47 . ( 7 ) 26 / البقرة : 2 . ( 8 ) 110 / الأنعام : 6 . ( 9 ) 7 / البقرة : 2 . ( 10 ) 10 / البقرة : 2 .