أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
443
عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ
قال : ألا ترى أنه قال : وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى « 1 » أي غير مهتد لما سيق إليك من النبوة . قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ « 2 » . وقال : إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ « 3 » تنبيها أنّ ذلك منهم سهو . انتهى . ولا شكّ أنّ اللّه تعالى يقول في حقّ عباده ما شاء وليس لنا أن نقول ذلك إلا على سبيل الحكاية لكلامه تعالى لا على الإخبار . ألا ترى - وإن كان بين القياسين بون - أنّ السلطان يدعو أكثر خواصّه باسمه ، وينسب إليه بعض الأوصاف فيتحلّى بذلك ويعظّم به عند الناس ، وليس لأحد الخواصّ ممّن هو في رتبته فضلا عمّن هو أعلى بطنا أن يخاطبه ببعض ذلك ؟ وأمّا تفسير قوله : وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى فحسن جدا ، وهو الذي ينبغي أن لا يجوز غيره . ومثله ما قال الهرويّ : أي لا تعرف شريعة الإسلام فهداك لها ، وهو مثل قوله تعالى : وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ « 4 » . قلت : ومثله قوله تعالى : ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ « 5 » . وقيل : الضّلال هنا : الضياع . يروى أنه ضلّ من جدّه وهو صغير في بعض شعاب مكة ، فردّه أبو جهل . وقيل : بل أضلّته حليمة عند باب الكعبة فردّه اللّه عليها . وهذا ونحوه لا بأس به . وأمّا ما يروى عن بعض المفسرين : كان على دين قومه أربعين سنة ، فإن عنى خلّوهم من علم الشريعة التي طريقها السمع فمسّلم ، وإن عنى غير ذلك فبرّأه اللّه من ذلك . وسمعت بعض أشياخي يقول : نمت ليلة مهتما بهذه الآية فرأيت في المنام كأنّ قائلا يقول : مالك ؟ فقصصت عليه أمري فقال : المراد ووجد أمّتك ضلّالا فهداهم ، فحذف المضاف للعلم كقوله : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ « 6 » فسرّي عني فانتبهت من وقتي فلم أصبر إلى الصباح ، فأوقدت المصباح وكتبته . وأمّا أمر موسى عليه السّلام فإنّ حال فعله ذلك كان حال صباه . فنعني بضلّاله ما تقدّم من أمر الشريعة ، أي لم تكن وصلت إلى شريعة بعد . وأما قول إخوة يوسف
--> ( 1 ) 7 / الضحى : 93 . ( 2 ) 20 / الشعراء : 26 . ( 3 ) 8 / يوسف : 12 . ( 4 ) 113 / النساء : 4 . ( 5 ) 52 / الشورى : 42 . ( 6 ) 82 / يوسف : 12 .