أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
396
عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ
السواد ، حتى إنّ بعض البلاد لا يكون فيها إلا كذلك . وقوله : فاقِعٌ « 1 » هذا تابع لا معنى له غير ذلك ؛ يقال : أصفر فاقع ، أي خالص ، وأسود حالك وحائل ، وأبيض يقق ، وأحمر قان ، وأخضر ناصع ، وأزرق حطبانيّ ، كلّ ذلك بمعنى الخلوص . وقال الراغب : الصفرة بين السواد والبياض ، وهي إلى البياض أقرب ، ولذلك قد يعبّر عنها بالسواد . وقال الحسن : سوداء شديدة السواد . قال بعضهم : لا يقال في السواد : فاقع . قوله : كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ هو جمع أصفر [ وليبيس البهمى ] « 2 » صفار . والصّفير للصوت الكائن من الأشياء الخالية . قيل : ومن هذا صفر الإناء ، أي خلا ، لأنه إذ خلا سمع منه صفير من أجل الهواء ، ثم صار متعارفا في كلّ خال من الأبنية وغيرها . وفي الحديث : « إن يدهما صفراء » أي فارغتين . وفي الحديث : « لا صفر ولا هامة ولا عدوى » « 3 » الصّفر : تزعم العرب أنه حيّة في البطن إذا حصلت جاع الإنسان ، فإذا جاع آذته « 4 » . وتزعم أنها تعدي . والهامة تزعم العرب أنّ القتيل إذا قتل خرج منه طير يرفرف عليه ويقول : اسقوني اسقوني ، حتى يؤخذ بثأره فيسكن . والعدوي : أن يصيب الإنسان مثلما بالمبتلى . فنفى الشارع ذلك كلّه ، فإنّ المقادير بكفّ الإله . قال بعض الحكماء : سمي [ خلوّ ] « 5 » الجوف والعروق من الغذاء صفرا . ولما كانت تلك العروق الممتدة من الكبد إلى المعدة إذا لم تجد غذاء امتصّت أجزار المعدة ، اعتقدت جهلة العرب أنّ ذلك حية في البطن تعضّ الشّراسيف ، وعلى ذلك قال شاعرهم « 6 » : [ من البسيط ] ولا يعضّ على شرسوفه الصّفر
--> ( 1 ) 69 / البقرة : 2 . ( 2 ) التعريف منقول من المفردات ، والإضافة منه : 283 . ( 3 ) النهاية : 3 / 35 ، مع تقديم العدوي . ( 4 ) ولقد نفى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم اعتقاد جهلة العرب بها . وقيل : أراد به النسيء وهو تأخير المحرّم إلى صفر . ( 5 ) إضافة من المفردات : 283 . ( 6 ) عجز لأعشى باهلة ، وصدره كما في اللسان - مادة صفر : لا يتأرّى لما في القدر يرقبه