أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

377

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

ولذلك قال تعالى : وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً « 1 » . وقوله : إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ « 2 » . وقد يكونان بالعرض في غيره من أنواع الكلام كالاستفهام والأمر والدعاء ، وذلك نحو قول القائل : أزيد في الدار ؟ فإنّ في ضمنه إخبارا بكونه جاهلا حال زيد . وكذا إذا قال : واسني ؛ فإنّ في ضمنه أنه محتاج إلى المواساة . وإذا قال : لا تؤذني ، ففي ضمنه أنه يؤذيه ، قاله الراغب « 3 » وفيه نظر من حيث إنّ التصديق والتكذيب لم يردا على معنى الاستفهام وما بعده إنما وردا على ما هو لازم له ، ولا كلام في ذلك فلم يصحّ أن يقال إنهما وردا على غير الخبر . واختلف الناس في الصدق ؛ فقيل : هو مطابقة الخبر للمخبر عنه في نفس الأمر ، وفي اعتقاد المخبر ، وإليه نحا الراغب فقال : والصدق مطابقة القول المضمر والمخبر عنه معا . ومتى انخرم شرط من ذلك لم يكن صدقا بل إمّا لا يوصف بالصدق ، وإما أن يوصف تارة بالصدق ، وتارة بالكذب على نظرين مختلفين كقول الكافر دون اعتقاد : محمد رسول اللّه ، فإنّ هذا يصحّ أن يقال : صدق لكون المخبر عنه كذلك ، وأن يقال : كذب لمخالفة قوله ضميره : وللوجه الثاني إكذاب « 4 » اللّه المنافقين حيث قالوا : نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ « 5 » فقال : وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ « 6 » انتهى . وقد أجيب عنه بأنّ المعنى في تسميتها شهادة قوله : لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ « 7 » أي حقّق رؤيته . فهذا أصدق بالفعل وهو التحقيق . قوله تعالى : وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ « 8 » أي حقّق ما أورده قولا بما تحرّاه فعلا ، ويعبّر عن كلّ فعل فاضل ظاهرا وباطنا بالصدق ، فيضاف إليه ذلك الفعل الذي يوصف به كقوله تعالى : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ « 9 » . وقوله تعالى : أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ

--> ( 1 ) 87 / النساء : 4 . ( 2 ) 54 / مريم : 19 . ( 3 ) المفردات : 277 . ( 4 ) في الأصل : أكذب . ( 5 ) 1 / المنافقون : 63 . ( 6 ) تتمة الآية السابقة . ( 7 ) 27 / الفتح : 48 . ( 8 ) 33 / الزمر : 39 . ( 9 ) 55 / القمر : 54 .