أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
364
عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ
وقال الحماسيّ ، في التّشديد ، وهو أنصف شعر قيل « 1 » : [ من الطويل ] فلم أر مثل الحيّ حيا مصبّحا * ولا مثلنا يوم التقينا فوارسا أكرّ وأحمى للحقيقة منهم * وأضرب منّا بالسيوف القوانسا ص ب ر : قوله تعالى : وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ « 2 » . الصبر في الأصل : الحبس . ومنه قوله تعالى : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ « 3 » أي احبسها . وقال قطريّ بن الفجاءة « 4 » : [ من الوافر ] فصبرا في مجال الموت صبرا * فما نيل الخلود بمستطاع أي احبس نفسك في موطن الحرب . فأقام المصدر مقام فعله ، وكذا : اصْبِرُوا وَصابِرُوا « 5 » أي احبسوا أنفسكم عن شهواتها . فالصبر : حبس النّفس عن الشّهوات وعلى امتثال المأمورات واجتناب المنهيّات . وقيل : الصّبر : الإمساك في ضيق . صبرت الدابّة : أمسكتها للعلف . فقال بعضهم : الصّبر : حبس النفس عمّا يقتضيه العقل والشرع عما يقتضيان حبسها عنه . قال : فالصبر لفظ عامّ ، وربّما خولف بين أسمائه بسبب اختلاف مواقعه ؛ فإن كان حبس النّفس لمصيبة سمّي صبرا لا غير ، ويضادّه : الجزع ، وهو المراد بقوله تعالى : وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ الآية « 6 » ، إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ « 7 » . وإن كان في حرب سمي شجاعة ، ويضادّه : الجبن . وإن كان في نائبة مضجرة سمي رجب الصّدر ، ويضادّه : الضّجر . وإن كان في إمساك كلام سمي كتمانا ، ويضادّه : المذل . وقد سمّى اللّه تعالى كلّ ذلك صبرا . ونبّه عليه بقوله :
--> ( 1 ) البيتان مطلع لقصيدة للعباس بن مرداس ، والأبيات تعدّ من المنصفات ( الحماسة : 1 / 440 ) . ( 2 ) 43 / الشورى : 42 . ( 3 ) 28 / الكهف : 18 . ( 4 ) البيت من شواهد أوضح المسالك : 2 / 39 . وفي الأصل : على مجال ، وهو وهم . ( 5 ) 200 / آل عمران : 3 . ( 6 ) 154 و 155 / البقرة : 2 . ( 7 ) 10 / الزمر : 39 .