أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
23
عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ
يكون ذلك بالذات إن جعلنا ضمير الفاعل لجبريل أو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . وقوله : أَوْ أَدْنى « 1 » أي أردأ . وقيل : إنّه مقلوب من أدون ، من الدّون وهو الرديء . واعلم أنّ أدنى يطلق ويراد به الأصغر فيقابل بالأكبر نحو : ابنك أدنى منك . وتارة يراد به الأقلّ فيقابل بالأكبر نحو : وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ « 2 » . وتارة يراد به الأرذل فيقابل بالخير نحو : أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ « 3 » . وتارة يراد به الأول ، ومن ذلك مقابلة مؤنثه بالآخرة نحو : الدنيا والآخرة ومنه : خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ « 4 » . وتارة يراد به الأقرب فيقابل بالأقصى كقوله تعالى في مؤنثه : إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى « 5 » . والدّنيا : مؤنثة تجمع على الدّنى « 6 » نحو الكبر والفضل . ولا يستعمل إلا بأل غالبا ، وقد تحذف كقوله « 7 » : [ من الرجز ] في سعي دنيا طالما قد مدّت وذلك لجريانها مجرى الجوامد . وقوله : ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ « 8 » أي أقرب لتقريبهم لتحرّي العدالة في إقامة الشهادة . قوله : لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ « 9 » متناول للأحوال التي في النشأة الأولى وما يكون في النشأة الآخرة . وخصّ الدّنيء بالحقير القدر ويقابل به السيد . وتأنّيت بين الأمرين . وأدنيت أحدهما من الآخر . وما
--> ( 1 ) 9 / النجم : 53 . ( 2 ) 7 / المجادلة : 58 . ( 3 ) 61 / البقرة : 2 . ( 4 ) 11 / الحج : 22 . ( 5 ) 42 / الأنفال : 8 . ( 6 ) في الأصل : الدين ، يقصد : الكبرى والكبر ، والفضلى والفضل . ( 7 ) رجز للعجاج ( ديوانه : 2 / 410 ) وفيه : من سعي . ومن شواهد ابن يعيش ( شرح المفصل : 6 / 100 ) على استعمال ( دنيا ) بغير ألف ولام والقياس أن تكون بألف ولام . ( 8 ) 108 / المائدة : 5 . ( 9 ) 219 و 220 / البقرة : 2 .