أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

203

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

العصيّ والحبال زئبقا يمشّيها . وعليه قوله تعالى : سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ « 1 » ولذلك قال : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى « 2 » . وضرب باستجلاب معاونة الشياطين بأعمال يفعلونها يتقرّبون بها إلى الشياطين . وعليه قوله تعالى : هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ الآية « 3 » . وضرب يذهب إليه بعض الأغتام ، ويزعمون أنهم يقلّبون صور الحيوانات بعضها إلى بعض ، فيقلبون « 4 » الإنسان حمارا والحمار جارية حسناء ، ولا يثبته أهل التحقيق . وقد أتينا على تقسيمه واختلاف العلماء فيه على أتمّ كلام في كتابنا « القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز » . وقد يستعار السّحر للكلام المنّمق المزوّق ؛ فيقال : سحرني بكلامه . وأطلق ذلك على الكلام من حيث إنه يغيّر المعاني عن مقارّها إلى مقرّ آخر ، وهو ممدوح في الأشياء الحسنة شرعا ، ومذموم في غيرها . ومنه قوله عليه الصلاة والسّلام : « إنّ من البيان لسحرا » « 5 » . قيل : ومنه سمّوه ساحرا ، وما جاء به السّحر لأنه يصرف الناس في زعمهم من دينهم إلى دينه بحسن كلامه ، وإلا فما أبعده من السّحر . وقد تصوّر من السحر تارة حسنه نحو : « إنّ من البيان لسحرا » ، وتارة دقة فعله حتى قالت الأطباء : الطبيعة ساحرة والغذاء سحر ، من حيث إنه يدقّ ويلطف تأثيره . وعليه قوله تعالى : إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ « 6 » أي ممن جعل له سحر تنبيها أنه محتاج إلى الغذاء كقوله : ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ « 7 » . وقال امرؤ القيس « 8 » : [ من الوافر ] أرانا موضعين لأمر غيب * ونسحر بالطعام وبالشراب /

--> ( 1 ) 116 / الأعراف : 7 . ( 2 ) 66 / طه : 20 . ( 3 ) 221 و 222 / الشعراء : 26 . ( 4 ) وفي الأصل : فيقلبوا . ( 5 ) النهاية : 2 / 346 . ( 6 ) 153 / الشعراء : 26 . ( 7 ) 7 / الفرقان : 25 . ( 8 ) البيت مطلع لامرئ القيس . موضعون : مسرعون لأمر غريب ، يريد الموت أو المستقبل المجهول . الديوان : 84 .