أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

189

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

وذلك لأنه يكره . فهو كقولك : ربّ عثمان العثمانين جاءني . وله أحكام ، ومعناه التّنزيه فمعنى سبحان اللّه : تنزيهه عمّا لا يليق به ، ويستعمل في التعجب ، ومنه الحديث : « سبحان اللّه إنّ المؤمن لا ينجس » « 1 » . وأصل المادة للدّلالة على البعد ، ومنه : السّبح في الماء ، وكذلك تسبيح اللّه لأنّ فيه إبعادا له عمّا لا يليق به ، ممّا كانت الكفرة الذين لا يقدّرونه حقّ قدره ينسبونه إليه من الشّرك والولد وغير ذلك . والسّبح : المرّ السريع في الماء أو الهواء ، ويستعار ذلك للنجوم ، قال تعالى : كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ « 2 » ، وفي دؤوب العمل أيضا قال تعالى : إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا « 3 » والتّسبيح / عام في العبادة ؛ قوليّة كانت أو فعليّة أو منويّة . وقيل في قوله تعالى : / 151 فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ « 4 » أي القائلين : سبحانك ، ويؤيده قوله : فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ « 5 » ، وقيل : من المصلّين . وقيل : من النّاوين ؛ أنه إذا تمكّن من العبادة حين يخرج من بطن الحوت أن يسبّح اللّه بقلبه ولسانه ، ويذيب جوارحه في طاعته ، والأولى أن يحمل على جميع ذلك ، لأنه اللائق بحال ذي النون عليه السّلام . وقوله : أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ « 6 » أي تعبدونه وتشكرونه . وقيل : تقولون : إن شاء اللّه ، يدلّ عليه قوله : وَلا يَسْتَثْنُونَ « 7 » . وقوله : فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ « 8 » أي صلّ . وسميت الصلاة تسبيحا لاشتمالها عليه . ومنه : « كان يسبّح على راحلته » « 9 » . وقوله : فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ

--> ( 1 ) صحيح البخاري ، باب الغسل : 23 ، 24 . ( 2 ) 33 / الأنبياء : 21 . ( 3 ) 7 / المزمل : 73 . ( 4 ) 143 / الصافات : 37 . ( 5 ) 87 / الأنبياء : 21 . ( 6 ) 28 / القلم : 68 . ( 7 ) 18 / القلم : 68 . ( 8 ) 98 / الحجر : 15 . ( 9 ) صحيح البخاري ، الصلاة ، 31 ، وفيه رواية : « كان النبي يصلي على راحلته » .