أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

93

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

بزيد عمرو فأوصلت الفعل إليهما بحرف واحد لم يجز ؟ ، وكذلك لو قلت : استوى الماء الخشبة الحائط فتنصب اسمين بواو لم يجز ، إلا أن « تأتي في جميع ذلك بواو العطف فيجوز ، وصول الفعل » . والجواب الذي ذكروه هو أن الظروف يتسع فيها ما لا يتسع في غيرها ، وهذا جماع القول في المسألة باختصار . و « الرَّأْيِ » يجوز أن يكون من رؤية العين أو من الفكرة والتأمل . [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 28 إلى 30 ] قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَ نُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ ( 28 ) وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ ( 29 ) وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 30 ) قوله : بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي . من ربّي : نعت ل « بَيِّنَةٍ » أي : بينة من بينات ربي . قوله : « رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ » ، يجوز في الجار أيضا أن يكون نعتا ل « رَحْمَةً » وأن يكون متعلقا ب « آتانِي » . قوله : فَعُمِّيَتْ قرأ الأخوان وحفص بضم النون وتشديد الميم والباقون بالفتح والتخفيف ، فأما القراءة الأولى فأصلها : غماها اللّه عليكم : أبهمها عقوبة لكم ، ثم بني الفعل لما لم يسم فاعله فحذف فاعله للعلم به وهو اللّه تعالى ، وأقيم المفعول وهو ضمير الرحمة مقامه ، ويدل على ذلك قراءة أبّى بهذا الأصل ، « فعمّاها اللّه عليكم » ، وروى عنه أيضا ، وعن الحسن وعلي والسّلمي « فعمّاها » من غير ذكر فاعل لفظي ، وروى عن الأعمش وابن وثاب « وعميت » بالواو دون الفاء ، وأما القراءة الثانية فإنه أسند الفعل إليها مجازا . قال الزمخشري : « فإن قلت » : ما حقيقته ؟ قلت : حقيقته أنّ الحجّة كما جعلت بصيرة ومبصرة جعلت عمياء ، لأنّ الأعمى لا يهتدي ولا يهدي غيره ، فمعنى : فعميت عليكم البينة فلم تهدكم ، كما لو عمي على القوم دليلهم في المفازة بقوا بغير هاد . وقيل : هذا من باب القلب وأصلها : فعميتم أنتم عنها كما تقول : أدخلت القلنسوة في رأسي وأدخلت الخاتم في إصبعي وهو كثير . وتقدم تحرير الخلاف فيه ، وأنشدوا على ذلك : 2675 - ترى الثّور فيها مدخل الظّلّ رأسه * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . « 1 » قال أبو علي : وهذا مما نقلب ، إذ ليس فيه إشكال ، وفي القرآن : « فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ « 2 » مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ » ، وبعضهم « 3 » يخرج البيت على الاتساع في الظرف ، وأما آية إبراهيم « فأخلف » يتعدى لاثنين ، فأتت بالخيار بين أن تضيف إلى أيهما شئت فليس من باب القلب . وقد رد بعضهم كون هذه الآية من باب المقلوب بأنه لو كان كذلك لتعدّى ب « عن » دون « على » ، ألا ترى أنك تقول : عميت عن كذا لا على كذا . واختلف في الضمير في « عمّيت » هل هو

--> ( 1 ) صدر بيت وعجزه : . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . * وسائره باد إلى الشمس أجمع وهو من شواهد الكتاب ( 1 / 181 ) ، أمالي المرتضي ( 1 / 181 ) ، الهمع ( 2 / 123 ) ، الخزانة ( 4 / 235 ) ، تأويل المشكل ( 194 ) ، الدرر ( 2 / 156 ) ، روح المعاني ( 12 / 39 ) . ( 2 ) سورة إبراهيم ، آية : ( 47 ) . ( 3 ) أنظر البحر المحيط ( 5 / 216 ) .