أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
94
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
عائد على « البينة » فيكون قوله : « وَآتانِي رَحْمَةً » جملة معترضة بين المتعاطفين ، إذ حقه : على بينة من ربي فعميت . وإن قيل بأنه عائد على « الرّحمة » فيكون قد حذف من الأول لدلالة الثاني ، والأصل على بينة من ربي فعميت وآتاني رحمة فعميت . قال الزمخشري : « وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ : بإيتاء البينة على أن البينة في نفسها هي الرحمة ، ويجوز أن يريد : بالبينة : المعجزة ، وبالرحمة : النبوة . فإن قلت : فقوله : « فَعُمِّيَتْ » ظاهر على الوجه الأول ، فيما وجهه على الوجه الثاني ؟ وحقه أن يقال : فعميتا ؟ قلت : الوجه أن يقدر فعميت بعد البينة ، وأن يكون حذفه للاقتصار على ذكره مرة انتهى وقد تقدم الكلام على « أَ رَأَيْتُمْ » هذه في الأنعام . وتلخيصه هنا : أن « أَ رَأَيْتُمْ » يطلب البينة منصوبة ، وفعل الشرط يطلبها مجرورة ب « على » فأعمل الثاني وأضمر في الأول ، والتقدير : أرأيتكم البينة من ربي إن كنت عليها أنلزمكموها فحذف المفعول الأول ، والجملة الاستفهامية في محل الثاني ، وجواب الشرط محذوف للدلالة عليه . وقوله : أَ نُلْزِمُكُمُوها أتى هنا بالضميرين متصلين ، وتقدم ضمير الخطاب لأنه أخص . ولوجىء بالغائب أولا لانفصل الضمير وجوبا . وقد أجاز بعضهم الاتصال واستشهد بقول عثمان : « أراهمني الباطل شيطانا » . وقال الزمخشري : « يجوز أن يكون الثاني منفصلا كقولك : « أنلزمكم إيّاها » . ونحوه : فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ « 1 » ويجوز : « فسيكفيك إيّاهم » . وهذا الذي قاله الزمخشري ظاهر قول سيبويه « 2 » ، وإن كان بعضهم منعه وإشباع الميم في مثل هذا التركيب واجب ، ويضعف سكونها وعليه : أراهمني الباطل . وقال أبو البقاء : « وقرىء » « 3 » بإسكان الميم فرارا من توالي الحركات . وقوله هذا يحتمل أن يكون أراد سكون ميم الجمع ، لأنه قد ذكر ذلك بعدما قال : « ودخلت الواو هنا تتمة للميم ، وهو الأصل في ميم الجمع ، وقرىء بإسكان الميم انتهى . وهذا إن ثبت قراءة فهو مذهب ليونس يجوز : « الدرهم أعطيتكه » ، وغيره يأباه . ويحتمل أن يكون يريد حركة سكون ميم الفعل ويدل عليه ما قال الزجاج : « أجمع النحويون البصريون على أنه لا يجوز اسكان حركة الإعراب إلا في ضرورة الشعر ، فأما ما روي عن أبي عمرو فلم يضبطه عنه القراء ، وروى عنه سيبويه « 4 » ، أنه كان يحذف الحركة ويختلسها وهذا هو الحق . وإنما يجوز الإسكان في الشعر نحو قول امرئ القيس : 2676 - فاليوم أشرب غير مستحقب * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . « 5 » وكذا قال الزمخشري أيضا ، وحكى عن أبي عمرو اسكان الميم ، ووجهه : أن الحركة لم تكن إلّا خلسة خفيفة فظنها الراوي سكونا ، والإسكان الصريح لحن عند الخليل وسيبويه « 6 » وحذاق البصريين ، لأن الحركة الإعرابية لا يسوغ طرحها إلا في ضرورة الشعر قلت : وقد حكى الكسائي والفراء « أنلزمكموها » بسكون هذه الميم . وقد تقدم القول في ذلك مشبعا في سورة « 7 » البقرة ، أعني : تسكين حركة الإعراب فكيف يجعلونه لحنا ؟ و « ألزم » يتعدى الاثنين ، أولهما : ضمير الخطاب ، والثاني : ضمير الغيبة . « وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ » جملة حالية يجوز أن تكون للفاعل أو لأحد المفعولين ، وقدم الجار لأجل الفواصل . وفي الآية قراءات شاذة مخالفة للسواد أضربت عنها لذلك . والضمير في : عَلَيْهِ .
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية : ( 137 ) . ( 2 ) أنظر الكتاب ( 2 / 264 ) . ( 3 ) البحر ( 5 / 227 ) . ( 4 ) أنظر الكتاب ( 4 / 204 ) . ( 5 ) تقدم . ( 6 ) أنظر الكتاب ( 4 / 202 ) . ( 7 ) آية : رقم ( 54 ) .