أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
86
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
[ سورة هود ( 11 ) : آية 19 ] الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ( 19 ) قوله : أَ فَمَنْ كانَ . فيه وجهان : أحدهما : أنه مبتدأ والخبر محذوف ، تقديره : أفمن كان على هذه الأشياء كغيره كذا قدره أبو البقاء . وأحسن منه : أفمن كان كذا كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها وحذف المعادل للذي دخلت عليه الهمزة كثير ، نحو : أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ « 1 » أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ « 2 » إلى غير ذلك ، وهذا الاستفهام بمعنى التقرير . الثاني - وإليه نحا الزمخشري - : أن هذا معطوف على شيء محذوف قبله تقديره : أفمن كان يريد الحياة الدنيا وزينتها كمن كان على بينة ؟ ، أي : لا يعقبونهم في المنزلة ولا يقاربونهم ، يريد : أن بين الفريقين تفاوتا . والمراد : من آمن من اليهود كعبد اللّه بن سلام . وهذا على قاعدته من تقديره معطوفا بين همزة الاستفهام وحرف العطف ، وهو مبتدأ والخبر محذوف كما تقدم تقريره . قوله : وَيَتْلُوهُ اختلفوا في هذه الضمائر أعني في « يَتْلُوهُ » وفي « مِنْهُ » ، وفي قبله » . وقيل : الهاء في « يَتْلُوهُ » تعود على « من » والمراد به النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - وكذلك الضميران في « مِنْهُ » و « قَبْلِهِ » والمراد لسانه عليه السّلام والتقدير : ويتلو ذلك الذي على بينة أي : ويتلو محمدا أي : صدق محمد لسانه . « وَمِنْ قَبْلِهِ » للنبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - وقيل الشاهد الإنجيل ، و « كِتابُ مُوسى » عطف على « شاهِدٌ » ، والمعنى : أن التوراة والإنجيل يتلوان محمدا في التصديق ، وقد فصل بين حرف العطف والمعطوف بقوله « مِنْ قَبْلِهِ » ، والتقدير : شاهد معه وكتاب موسى من قبله ، وقد تقدم الكلام على الفصل بين حرف العطف والمعطوف مشبعا في النساء « 3 » . وقيل : الضمير في « يَتْلُوهُ » للقرآن ، وفي « مِنْهُ » ل « محمد » عليه السّلام . وقيل : لجبريل ، والتقدير : ويتلو القرآن شاهد من محمد وهو لسانه أو من جبريل . والهاء في « قَبْلِهِ » أيضا للقرآن ، فالضمائر الثلاثة للقرآن ، وهذا كاف ، ووراء ذلك أقوال مضطربة غالبها يرجع إلى ما ذكرت ، وقرأ محمد بن السائب الكلبي « كتاب موسى » بالنصب وفيه وجهان : أحدهما : - وهو الظاهر - أنه معطوف على الهاء في « يَتْلُوهُ » أي : يتلوه ويتلو كتاب « مُوسى » وفصل بالجار بين المعطوف والعاطف . والثاني : أنه منصوب باضمار فعل . قال أبو البقاء : « وقيل تم الكلام عند قوله « مِنْهُ » ، و « كِتابُ مُوسى » . أي : ويتلو كتاب موسى . « فقدر فعلا مثل الملفوظ به ، وكأنه لم ير الفصل بين العاطف والمعطوف فلذلك قدر فعلا . و « إِماماً وَرَحْمَةً » منصوبان على الحال من « كِتابُ مُوسى » سواء أقرىء رفعا أم نصبا . والهاء في « بِهِ » يجوز أن تعود على « كِتابُ » وهو أقرب مذكور ، وقيل : بالقرآن . وقيل : بمحمد ، وكذلك الهاء في « بِهِ » الثانية . و « الْأَحْزابِ » الجماعة التي فيها غلظ كأنهم لكثرتهم وصفوا بذلك ، ومنه وصف حمار الوحش ب « حزابية » لغلظه ، والأحزاب : جمع حزب ، وهو الجماعة من الناس . و « المرية » - بكسر الميم وضمها - : الشك لغتان أشهرهما الكسر ، وهي لغة أهل الحجاز ، وبها قرأ جماهير الناس ، والضم لغة أسد وتميم وبها قرأ السّلمي وأبو رجاء الخطاب السدوسي . و « أُولئِكَ » إشارة إلى « من كان
--> ( 1 ) سورة فاطر ، آية : ( 8 ) . ( 2 ) سورة الزمر ، آية : ( 9 ) . ( 3 ) آية : رقم ( 85 ) .