أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

59

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

استفهام إنكار وتقليل للشيء المجاء به ، و « السِّحْرُ » بدل من اسم الاستفهام ، ولذلك أعيد معه أداته لما تقرر في كتب النحو . والثاني : أن يكون « السِّحْرُ » خبر مبتدأ محذوف تقديره : أهو السحر . الثالث : أن يكون مبتدأ محذوف الخبر تقديره : آلسحر هو . ذكر هذين الوجهين أبو البقاء ، وذكر الثاني مكي وفيهما بعد . الرابع : أن تكون « ما » موصولة بمعنى الذي ، و « جِئْتُمْ بِهِ » صلتها ، والموصول في محل الرفع بالابتداء ، و « السِّحْرُ » على وجهيه من كونه مبتدأ محذوفا أو مبتدأ محذوف الخبر تقديره : الذي جئتم به أهو السحر أو الذي جئتم به السحر هو ، وهذا الضمير هو الرابط كقولك : « الذي جاءك أزيد هو » قاله الشيخ . قلت : قد منع مكي أن تكون « ما » موصولة على قراءة أبي عمرو فقال : وقد قرأ أبو عمرو « آلسّحر » بالمد فعلى هذه القراءة تكون « ما » استفهاما مبتدأ و « جِئْتُمْ بِهِ » الخبر ، و « السِّحْرُ » خبر ابتداء محذوف أي : أهو السحر ، ولا يجوز على هذه القراءة أن تكون « ما » بمعنى : الذي ، إذ لا خبر لها . قلت : ليس كما ذكر ، بل خبرها الجملة المقدر أحد جزئيها وكذلك الزمخشري وأبو البقاء لم يجيزا كونها موصولة إلا في قراءة غير أبي عمرو ، لكنهما لم يتعرضا لعدم جوازه ؟ الخامس : أن تكون « ما » استفهامية في محل نصب بفعل مقدر بعدها ، لأن لها صدر الكلام ، و « جِئْتُمْ بِهِ » مفسر لذلك الفعل المقدر ، وتكون المسألة من باب الاشتغال . والتقدير : أي شيء أتيتم جئتم به . و « السِّحْرُ » على ما تقدم . ولو قرىء بنصب « السِّحْرُ » على أنه بدل من « ما » بهذا التقدير لكان له وجه ، لكنه لم يقرأ به فيما علمت . وسيأتي ما حكاه مكي عن الفراء من جواز نصبه لمدرك آخر لا على أنها قراءة منقولة عن الفراء ، وأما قراءة الباقين ففيها أوجه أيضا : : أن تكون « ما » بمعنى : الذي في محل رفع بالابتداء ، و « جِئْتُمْ بِهِ » صلته وعائده . و « السِّحْرُ » خبره ، والتقدير : الذي جئتم به السحر ويؤيد هذا التقدير قراءة أبي وما في مصحفه ما « أتيتم به سحر » وقرأ عبد اللّه والأعمش : « ما جئتم به سحر » . الثاني : أن تكون « ما » استفهامية في محل نصب بإضمار فعل على ما تقرر ، و « السِّحْرُ » خبر ابتداء مضمر أو مبتدأ مضمر الخبر . الثالث : أن تكون « ما » في محل رفع بالابتداء ، و « السِّحْرُ » على ما تقدم من كونه مبتدأ أو خبرا ، والجملة خبر « ما » الاستفهامية . قال الشيخ « 1 » - بعد ما ذكر الوجه الأول - : « ويجوز عندي أن تكون في هذه الوجه استفهامية في موضع رفع بالابتداء ، أو في موضع نصب على الاشتغال ، وهو استفهام على سبيل التحقير والتعليل لما جاءوا به . و « السِّحْرُ » : خبر مبتدأ محذوف ، أي : هو السحر . قلت : ظاهر عبارته أنه لم يره غيره حيث قال : « عندي » وهذا قد جوّزه أبو البقاء ومكي ، وقال أبو البقاء - بعد ما ذكر قراءة غير أبي عمرو - : « ويقرأ بلفظ الخبر وفيه وجهان - ثم قال - ويجوز أن

--> ( 1 ) أنظر البحر المحيط ( 5 / 183 ) .