أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

60

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

« ما » استفهاما ، و « السِّحْرُ » خبر مبتدأ محذوف . وقال مكي - في قراءة غير أبي عمرو بعد ذكره كون « ما » الذي - : « ويجوز أن تكون « ما » رفعا بالابتداء وهي استفهام ، و « جِئْتُمْ بِهِ » الخبر ، و « السِّحْرُ » خبر مبتدأ محذوف : أي هو السحر » ، ويجوز أن تكون « ما » في موضع نصب على إضمار فعل بعد « ما » تقديره : أي شيء جئتم به . و « السِّحْرُ » خبر ابتداء محذوف . الرابع : أن تكون هذه القراءة كقراءة أبي عمرو في المعنى ، أي : أنها على نية الاستفهام ، ولكن حذفت أداته للعلم بها . قال أبو البقاء : « ويقرأ بلفظ الخبر وفيه وجهان : أحدهما : أنه استفهام في المعنى أيضا ، وحذفت الهمزة للعلم بها . وعلى هذا الذي ذكره يكون الإعراب على ما تقدم . واعلم أنك إذا جعلت « ما » موصولة بمعنى : الذي امتنع نصبها بفعل مقدر على الاشتغال . قال مكي : « ولا يجوز أن تكون ما بمعنى الذي في موضع نصب ، لأن ما بعدها صلتها ، والصلة لا تعمل في الموصول ، ولا تكون تفسيرا للعامل في الموصول » . وهو كلام صحيح ، فتلخص من هذا أنها إذا كانت استفهامية جاز أن تكون في محل رفع أو نصب ، وإذا كانت موصولة تعين أن يكون محلها الرفع بالابتداء ، وقال مكي : وأجاز الفراء نصب « السِّحْرُ » بجعل « ما » شرطا ، وبنصب « السّحر » على المصدر ، ويضمر الفاء مع « إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ » ، وتجعل الألف واللام في « السِّحْرُ » زائدتين ، وذلك كله بعيد ، وقد أجاز علي بن سليمان حذف الفاء من جواب الشرط في الكلام ، واستدل على جوازه بقوله تعالى : وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ، ولم يجزه غيره ، إلّا في ضرورة شعر . قلت : وإذا مشيا مع الفراء فيكون « ما » شرطا مرادا بها المصدر ، تقديره : أي سحر جئتم به فإنّ اللّه ، وبين أن « ما » يراد بها السحر قوله : « السِّحْرُ » ولكن تعلق قوله : أن نصب « السِّحْرُ » على المصدرية فيكون تأويله أنه منصوب على المصدر الواقع موقع الحال ولذلك قدره بالنكرة وجعل « أل » مزيدة فيه ، وقد نقل عن الفراء أن الألف واللام للتعريف ، وهو تعريف العهد ، قال الفراء : وإنما قال « السِّحْرُ » بالألف واللام ، لأن النكرة إذا أعيدت أعيدت بالألف واللام - يعني - أن النكرة قد تقدمت في قوله : إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ » « 1 » وبهذا شرحه ابن عطية . قال ابن عطية : والتعريف هنا في « السِّحْرُ » أرتب ، لأنه قد تقدم منكرا في قولهم : إِنَّ هذا لَسِحْرٌ فجاء هنا بلام العهد كما يقال أول الرسالة : سلام عليك . قال الشيخ « 2 » : وما ذكراه هنا في « السِّحْرُ » ليس من باب تقديم النكرة ، ثم أخبر عنها بعد ذلك ، لأن شرط هذا أن يكون المعرف بأل هو المنكر المتقدم ولا يكون غيره كقوله تعالى : كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ « 3 » وتقول : « زارني رجل فأكرمت الرّجل » لما كان إياه جاز أن يأتي بضمير بدله ، فتقول : فأكرمته ، و « السِّحْرُ » هنا ليس هو « السِّحْرُ » الذي في قولهم : « إِنَّ هذا لَسِحْرٌ » ، لأن الذي أخبروا عنه بأنه سحر هو ما ظهر على يدي موسى ، من معجزة العصا والسحر الذي في قول موسى إنما هو سحرهم الذي جاءوا به فقد اختلف المدلولان ، إذ قالوا هم عن معجزة موسى ، وقال موسى عما جاءوا ، ولذلك لا يجوز أن يؤتى هنا بالضمير بدل السحر فيكون عائدا على قولهم « لَسِحْرٌ » قلت : والجواب أن الفراء وابن عطية إنّما أرادا السحر المتقدم الذكر في اللفظ ، إن كان الثاني هو غير عين الأول في المعنى ، ولكن لما أطلق عليها لفظ « السِّحْرُ » جاز أن يقال ذلك ، ويدل على هذا

--> ( 1 ) سورة يونس ، آية : ( 76 ) . ( 2 ) أنظر البحر المحيط ( 5 / 183 ) . ( 3 ) سورة المزمل ، الآيتان : ( 15 - 16 ) .