أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

56

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 73 إلى 75 ] فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ ( 73 ) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ ( 74 ) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ ( 75 ) وقوله : فِي الْفُلْكِ . يجوز فيه وجهان : أحدهما : أن يتعلق ب « نجّيناه » أي : وقع الإنجاء في هذا المكان . والثاني : أن يتعلق بالاستقرار الذي تعلق به الظرف ، وهو « مَعَهُ » لوقوعه صلة ، أي : والذين استقروا معه في . وقوله : وَجَعَلْناهُمْ أي : صيرناهم وجمع الضمير في « جَعَلْناهُمْ » حملا على معنى « من » و « خَلائِفَ » جمع خليفة ، أي : يخلفون الغارقين . قوله : مِنْ بَعْدِهِ . أي : بعد نوح و « بِالْبَيِّناتِ » متعلق ب « جاءوهم » أو بمحذوف على أنه حال ، أي : متلبسين بالبينات . قوله : لِيُؤْمِنُوا أتى بلام الجحود توكيدا ، والضمير في « كَذَّبُوا » عائد على من عاد عليه الضمير في « كانُوا » وهم قوم الرسل . والمعنى : أن حالهم بعد بعثة الرسل كحالهم قبلها في كونهم أهل جاهلية . وقال أبو البقاء ومكي : إنّ الضمير في « كانُوا » يعود على قوم الرسل ، وفي « كَذَّبُوا » يعود على قوم نوح ، والمعنى : فما كان قوم الرسل ليؤمنوا بما كذب به قوم نوح ، أي : بمثله ، ويجوز أن تكون الهاء عائدة على نوح نفسه من غير حذف مضاف والتقدير : فما كان قوم الرسل بعد نوح ليؤمنوا بنوح ، إذ لو آمنوا به لآمنوا بأنبيائهم . و « مِنْ قَبْلُ » متعلق ب « كَذَّبُوا » أي : من قبل بعثة الرسل . وقيل : الضمائر كلها تعود على قوم الرسل بمعنى آخر ، وهو أنهم بارزوا رسلهم بالتكذيب كلما جاء رسول لجّوا في الكفر وتمادوا عليه فلم يكونوا ليؤمنوا بما سبق به تكذيبهم من قبل لجهم في الكفر وتماديهم . قال ابن عطية : « ويحتمل اللفظ عندي معنى آخر وهو أن تكون « ما » مصدرية والمعنى : فكذبوا رسلهم فكان عقابهم من اللّه إن لم يكونوا ليؤمنوا بتكذيبهم من قبل ، أي : من سببه ومن جزائه ، ويؤيد هذا التأويل كَذلِكَ نَطْبَعُ » . وهو كلام يحتاج لتأمل . قال الشيخ : « والظاهر أن « ما » موصولة ولذلك عاد الضمير عليها في قوله : « بِما كَذَّبُوا » ولو كانت مصدرية بقي الضمير غير عائد على غير مذكور فيحتاج أن يتكلف ما يعود عليه الضمير » . قلت : الشيخ بناه على « 1 » قول جمهور النحاة في عدم كون « ما » المصدرية اسما فيعود عليها ضمير ، وقد نبهتك غير مرة أن مذهب الأخفش وابن السراج : أنها اسم فيعود عليها الضمير . وقرأ العامة « نَطْبَعُ » بالنون الدالة على تعظيم المتكلم ، وقرأ العباس بن الفضل بياء الغيبة وهو اللّه - تعالى - ولذلك صرّح به في موضع آخر ، كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ * والكاف : نعت لمصدر محذوف أو حال من ضمير ذلك المصدر على حسب ما عرفته من الخلاف . أي : مثل ذلك الطبع المحكم الممتنع

--> ( 1 ) أنظر البحر المحيط ( 5 / 181 ) .