أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
57
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
زواله يطبع على قلوب المعتدين على خلق اللّه . وقرأه مجاهد وابن جبير والأعمش . [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 76 إلى 78 ] فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ( 76 ) قالَ مُوسى أَ تَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَ سِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ ( 77 ) قالُوا أَ جِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ ( 78 ) لساحر . اسم فاعل ، والإشارة بهذا حينئذ إلى موسى أشير إليه لتقدم ذكره ، وفي قراءة الجماعة المشار إليه الشيء الذي جاء به موسى من قلب العصا حية وإخراج يده بيضاء كالشمس ، ويجوز أن يشار بهذا في قراءة ابن جبير إلى المعنى الذي جاء موسى مبالغة حيث وصفوا المعاني بصفات الأعيان ، كقولهم : شعر شاعر ، وجدّ جدّه . قوله : أَ تَقُولُونَ . في معمول هذا القول وجهان : أحدهما : أنه مذكور ، وهو الجملة من قوله : « أَ سِحْرٌ هذا . . . إلى آخره » كأنهم قالوا : أجئتما بالسحر تطلبان به الفلاح ، ولا يفلح الساحرون ، كقول موسى عليه السّلام للسحرة : « ما جئتم به السّحر إنّ اللّه سيبطله » . والثاني : أن معموله محذوف وهو مدلول عليه بما تقدم ذكره وهو : « إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ » ومعمول القول يحذف للدلالة عليه كثيرا كما يحذف نفس القول كثيرا ، ومثل الآية في حذف القول قوله : 2636 - لنحن الأولى قلتم فأنّى ملئتم * برؤيتنا قبل اهتمام بكم رعبا « 1 » وفي كتاب سيبويه « 2 » : « متى رأيت أو قلت زيدا منطلقا » . على إعمال الأول وحذف معمول القول ، ويجوز إعمال القول بمعنى الحكاية به ، فيقال : متى رأيت وقلت زيد منطلق . وقيل : القول في الآية بمعنى العيب والطعن ، والمعنى : أتعيبون الحق وتطعنون فيه ، وكان من حقكم تعظيمه والإذعان له من قولهم : فلان يخاف القالة ، وبين النّاس تقاول إذ قال بعضهم لبعض ما يسوءه ، ونحو القول ، الذكر في قوله : سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ . « 3 » وكل هذا ملخص من كلام الزمخشري . قوله : أَ جِئْتَنا لِتَلْفِتَنا . اللام متعلقة بالمجيء أي : أجئت لهذا الغرض أنكروا عليه مجيئه لهذه العلة ، واللّفت : الليّ والصرف ، لفته عن كذا ، أي : صرفه ولواه عنه . وقال الأزهري : « لفت الشيء وفتله لواه » ، وهذا من المقلوب . قلت : ولا يدعى فيه قلب حتى يرجح فيه أحد اللفظين في الاستعمال على الآخر ، ولذلك لم يجعلوا جذب وجبذ وحمد ومدح من هذا القبيل لتساويهما . ومطاوع لفت التفت . وقيل : انفتل وكأنهم استغنوا بمطاوع فتل عن مطاوع لفت ، وامرأة لفوت ،
--> ( 1 ) أنظر البيت في الهمع ( 1 / 157 ) ، الدرر ( 1 / 139 ) ، البحر المحيط ( 1 / 181 ) . ( 2 ) الكتاب ( 1 / 123 ) ، ( 3 ) سورة الأنبياء ، آية : ( 60 ) .