أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
55
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
يجمع « وَشُرَكاءَكُمْ » على هذه القراءة يصح نصبه نسقا على ما قبله ، ويجوز فيه ما تقدم في القراءة الأولى من الأوجه . قال صاحب اللوامح : أجمعت الأمر أي : جعلته جميعا ، وجمعت الأموال جمعا ، فكأن الإجماع في الأحداث والجمع في الأعيان ، وقد يستعمل كل واحد مكان الآخر ، وفي التنزيل « فجمع كيده » . قلت : وقد اختلف القراء في قوله : فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ « 1 » فقرأ السبعة بقطع الهمزة جعلوه من « اجمع » وهو موافق لما قيل : إنّ أجمع في المعاني ، وقرأ أبو عمرو وحده « فَأَجْمِعُوا » بوصل الألف ، وقد اتفقوا على قوله « فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى » فإنه من الثلاث ، مع أنه متصل على معنى لاعين ، ومنهم من جعل الثلاثي معنى غير معنى الرباعي ، فقال في قراءة أبي عمرو : من جمع يجمع ضدّ فرق يفرق ، وجعل قراءة الباقين من أجمع أمره إذا أحكمه وعزم عليه ، ومنه قوله : 2632 - يا ليت شعري والمنى لا ينفع * هل أغدون يوما وأمري مجمع « 2 » وقيل المعنى : فأجمعوا على كيدهم ، فحذف حرف الجر ، وقرأ الحسن والسلمي وعيسى بن عمر وابن أبي إسحاق وسلام ويعقوب « وشركاؤكم » رفعا ، وفيه تخريجان : أحدهما : أنه نسق على الضمير المرفوع ب « أجمعوا » قبله ، وجاز ذلك ، إذ الفصل بالمفعول سوّغ العطف . والثاني : أنه مبتدأ محذوف الخبر ، تقديره : وشركاؤكم فليجمعوا أمرهم وشذت فرقة فقرأت « وشركائكم » بالخفض ، ووجهت على حذف مضاف وإبقاء المضاف إليه مجرورا على حاله كقوله : 2633 - أكلّ امريء تحسبين امرءا * ونار توقّد باللّيل نارا « 3 » أي : وكل نار ، وأمر شركائكم فحذف الأمر وأبقى ما بعده على حاله ، ومن رأى برأي الكوفيين جوّز عطفه على الضمير في « أَمْرَكُمْ » من غير تأويل ، وقد تقدم ما فيه من المذاهب - أعني - العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار في سورة البقرة . قوله : « غُمَّةً » يقال : غمّ وغمّة نحو : كذّب وكذّبه . وقال أبو الهيثم : هو من قولهم : « غمّ الهلال فهو مغموم ، إذا التمس فلم ير » . قال طرفة بن العبد : 2634 - لعمرك ما أمري عليّ بغمّة * نهاري ، ولا ليلي عليّ بسرمد « 4 » وقال الليث : « يقال هو في غمّ من أمره إذا لم يتبيّن له » . قوله : ثُمَّ اقْضُوا مفعول « اقْضُوا » محذوف أي : اقضوا إلى ذلك الأمر الذي تريدون إيقاعه بي كقوله : وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ فعدّاه لمفعول صريح . وقرأ السّري « ثمّ أفضوا » بقطع الهمزة والفاء من أفضى يفضي إذا انتهى ، يقال : أفضيت إليك . قال تعالى : وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ ، « 5 » فالمعنى : ثم أفضوا إليّ بشركم أي : انتهوا به إليّ ، وقيل معناه : أسرعوا به إليّ وقيل : هو من أفضى أي : خرج إلى الفضاء فأضحوا به إليّ وأبرزوه ، كقوله : 2635 - أبى الضّيم والنّعمان يحرق نابه * عليه فأفضى والسّيوف معاقله « 6 » ولام الفضاء واو ، لأنه من فضا يفضو أيّ : اتسع . وقوله : وَلا تُنْظِرُونِ أي : لا تؤخرون .
--> ( 1 ) سورة طه ، آية : ( 64 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) البيت في ديوانه ( 40 ) ، البحر المحيط ( 5 / 179 ) . ( 5 ) سورة النساء ، آية : ( 21 ) . ( 6 ) تقدم .