أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

54

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

عزمت عليه » إلا أنه حذف حرف الجر ، فوصل الفعل إليه . وقيل : هو متعد بنفسه في الأصل . وأنشد قول الحارث . وقال أبو فيد السدوسي : « أجمعت الأمر أفصح من أجمعت عليه » . وقال أبو الهيثم : « أجمع أمره جعله مجموعا بعد ما كان متفرقا » ، قال : وتفرقته أنه يقول مرة أفعل كذا ومرة أفعل كذا ، وإذا عزم على أمر واحد فقد جمعه ، أي : جعله جميعا ، فهذا هو الأصل في الإجماع ، ثم صار بمعنى العزم حتى وصل ب « على » فقيل : أجمعت على الأمر ، أي : عزمت عليه ، والأصل : أجمعت الأمر . وقرأ العامة : « وَشُرَكاءَكُمْ » نصبا ، وفيه وجهان : أحدهما : أنه معطوف على « أَمْرَكُمْ » بتقدير حذف مضاف ، أي : وأمر شركائكم ، كقوله : « وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ » ودلّ على ذلك ما قدمته من أن « أجمع » للمعاني . والثاني : أنه عطف عليه من غير تقدير مضاف ، قيل : لأنه ، قال أيضا : أجمعت شركائي . الثالث : أنه منصوب بإضمار فعل لائق ، أي : واجمعوا شركاءكم بوصل الهمزة ، وقيل : تقديره : وادعوا ، وكذلك هي في مصحف أبي : « وادعوا » فأضمر فعلا لائقا كقوله : وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ « 1 » أي : واعتقدوا الإيمان ، ومثله قوله : 2629 - علّفتها تبنا وماء باردا * حتّى شتت همّالة عيناها « 2 » أي : وسقيتها ماء ، وكقوله : 2630 - يا ليت زوجك قد غدا * متقلّدا سيفا ورمحا « 3 » وقول الآخر : 2631 - إذا ما الغانيات برزن يوما * وزجّجن الحواجب والعيونا « 4 » يريد : ومعتقلا رمحا وكحلن العيون ، وقد تقدم أن في هذه الأماكن غير هذا التخريج . الرابع : أنه مفعول معه أي : مع شركاءكم . قال الفارس : « وقد ينتصب الشركاء بواو « مع » كما قالوا : « جاء البرد والطّيالسة » . ولم يذكر الزمخشري غير قول أبي علي . قال الشيخ « 5 » : وينبغي أن يكون هذا التخريج على أنه مفعول معه من الفاعل وهو الضمير في « فَأَجْمِعُوا » لا من المفعول الذي هو « أَمْرَكُمْ » وذلك على أشهر الاستعمالين ، لأنه يقال : أجمع الشركاء « ولا يقال جمع الشركاء أمرهم إلّا قليلا » قلت : يعني : أنه إذا جعلناه مفعولا معه من الفاعل كان جائزا بلا خلاف ، وذلك أن من النحويين من اشترط في صحة نصب المفعول معه أن يصح عطفه على ما قبله ، فإن لم يصح عطفه لم يصح مفعولا معه ، فلو جعلناه من المفعول لم يجز على المشهور ، إذ لا يصح عطفه على ما قبله ، إذ لا يقال : أجمعت شركائي بل جمعت ، وقراءة الزهري والأعمش والجحدري وأبو رجاء ويعقوب والأصمعي عن نافع : « فأجمعوا » بوصل الألف وفتح الميم من جمع

--> ( 1 ) سورة الحشر ، آية : ( 9 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) أنظر البحر المحيط ( 5 / 179 ) .