أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
527
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والثاني : أنها في محل نصب على الحال مما تقدم . وفي هذه الواو قولان : أحدهما : أنها علامة للجمع ليست ضميرا البتة ، وإنما هي علامة كهي في لغة « أكلوني البراغيث » ، والفاعل « مَنِ اتَّخَذَ » ، لأنه في معنى الجمع . قاله الزمخشري . وفيه بعد ، وكأنه قيل : لا يملك الشفاعة إلّا المتخذون عهدا . قال الشيخ : ولا ينبغي حمل القرآن على هذه اللغة القليلة مع وضوح جعل الواو ضميرا ، وقد قال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور : إنها لغة ضعيفة » . قلت : قد قالوا ذلك في قوله تعالى : عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ « 1 » - وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا « 2 » فلهذا الموضع بهما أسوة . ثم قال الشيخ « 3 » : وأيضا فالألف والواو والنون التي تكون علامات لا ضمائر لا يحفظ ما يجيء بعدها فاعلا إلّا بصريح الجمع ، وصريح التثنية أو العطف ، إما تأتي بلفظ مفرد ، ويطلق على جمع أو مثنى ، وفيحتاج إلى إثبات مثل ذلك إلى نقل ، وأما عود الضمائر مثناة أو مجموعة على مفرد في اللفظ يراد به المثنى والمجموع فمسموع معروف في لسان العرب ، على أنه يمكن قياس هذه العلامات في تلك الضمائر ، ولكن الأحوط أن لا يقال إلّا بسماع . والثاني : أنّ الواو ضمير ، وفيما تعود عليه حينئذ أوجه : أحدها : أنها تعود على الخلق جميعهم لدلالة ذكر الفريقين المتقين والمجرمين عليهم ، إذ هما قسماه . والثاني : أنه يعود على المتقين والمجرمين ، وهذا لا يظهر مخالفته للأول أصلا ، لأنّ هذين القسمين هما الخلق كله . الثالث : أنه يعود على المتقين فقط ، أو المجرمين فقط ، وهو تحكم . قوله : إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ هذا الاستثناء يترتب على عود الواو على ماذا ؟ فإن قيل : بأنها تعود على الخلق ، أو على الفريقين المذكورين ، أو على المتقين فقط ، فالاستثناء حينئذ متصل ، وفي محل المستثنى الوجهان المشهوران : إما الرفع على البدل ، وإما النصب على أصل الاستثناء ، وإن قيل : إنه يعود على المجرمين فقط كان استثناء منقطعا ، وفيه حينئذ اللغتان المشهورتان : لغة الحجاز التزام النصب ، ولغة تميم جوازه مع جواز البدل ، كالمتصل . وجعل الزمخشري هذا الاستثناء من الشفاعة على حذف مضاف تقديره : « لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ » فيكون نصبه على وجهي البدل ، وأصل الاستثناء نحو : « ما رأيت أحدا إلّا زيدا » ، وقال بعضهم : إنّ المستثنى منه محذوف ، والتقدير : لا يملكون الشفاعة لأحد إلّا لمن اتخذ عند الرحمن عهدا ، فحذف المستثنى منه للعلم به ، فهو كقوله : 3289 - نجا سالم والنّفس منه بشدقه * ولم ينج إلّا جفن سيف ومئزرا « 4 » أي : ولم ينج بشيء . وجعل ابن عطية الاستثناء متصلا ، وإن عاد الضمير في « لا يَمْلِكُونَ » على المجرمين
--> ( 1 ) سورة المائدة آية ، ( 71 ) . ( 2 ) سورة الأنبياء آية ، ( 3 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 217 ) . ( 4 ) تقدم .