أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

528

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

فقط ، على أن يراد بالمجرمين الكفرة والعصاة من المسلمين . قال الشيخ « 1 » : « وحمل المجرمين على الكفار والعصاة بعيد » . قلت : ولا بعد فيه ، وكما استبعد إطلاق المجرمين على العصاة ، كذلك يستبعد غيره إطلاق المتقين على العصاة ، بل إطلاق المجرم على العاصي أشهر من إطلاق المتقي عليه . قوله : شَيْئاً إِدًّا . العامة على كسر الهمزة من « إِدًّا » وهو الأمر العظيم المنكر المتعجب منه ، وقرأ أمير المؤمنين ، والسّلمي بفتحها ، وخرّجوه على حذف مضاف ، أي : شيئا ذا إدّ ، لأنّ الأدّ بالفتح مصدر ، يقال : أدّ الأمر وادّنى مؤدّني أدّا ، أي : أثقلني . وكان الشيخ يذكر أنّ الأدّ والإدّ : بفتح الهمزة وكسرها هو التعجّب ، وقيل : هو العظيم المنكر ، والإدّة الشّدّة ، وعلى قوله : إنّ الأدّ والإدّ بمعنى واحد ، ينبغي أن لا يحتاج إلى حذف مضاف إلّا أن يراد أنه أراد بكونهما بمعنى العجب في المعنى لا في المصدرية وعدمها . قوله : تَكادُ . قرأ نافع والكسائي بالياء من تحت ، والباقون بالتاء من فوق ، وهما واضحتان ، إذ التأنيث مجازي ، وكذلك في سورة الشورى ، وقرأ أبو عمرو وابن عامر ، وأبو بكر عن عاصم وحمزة « ينفطرن » مضارع « انفطر » ، والباقون « يَتَفَطَّرْنَ » مضارع تفطّر بالتشديد في هذه السورة ، وأما التي في الشورى فقرأها حمزة وابن عامر بالياء والتاء وتشديد الطاء ، والباقون على أصولهم في هذه السورة . فتلخص من ذلك أنّ أبا عمرو ، وأبا بكر يقرآن بالياء والنون في السورتين ، وأنّ نافعا ، وابن كثير ، والكسائي ، وحفصا ، عن عاصم يقرأون بالياء والتاء وتشديد الطاء . فالإنفطار من فطّره إذا شقّه . والتّفطّر من فطّره إذا شقّقه ، وكرّر الفعل فيه . قال أبو البقاء : « وهو هنا أشبه بالمعنى ، أي : التشديد ، و « يَتَفَطَّرْنَ » في محل نصب خبرا ل « تَكادُ » ، وزعم الأخفش أنها هنا بمعنى الإرادة ، وأنشد : 3290 - كادت وكدت وتلك خير إرادة * لو عاد من زمن الصّبابة ما مضى « 2 » قوله : « هَدًّا » فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه مصدر في موضع الحال ، أي : مهدودة ، وذلك على أن يكون هذا المصدر من « هدّ زيد الحائط هدّا » ، أي : هدمه . والثاني : وهو قول أبي جعفر أنه مصدر على غير المصدر لما كان في معناه ، لأنّ الخرور السّقوط والهدم . وهذا على أن يكون من هدّ الحائط يهدّ بالكسر ، أي : انهدم فيكون لازما . الثالث : أن يكون مفعولا من أجله . قال الزمخشري : أي : لأنها تهد » .

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 218 ) . ( 2 ) البيت في أمالي المرتضى ( 1 / 331 ) ، المحتسب ( 2 / 31 ) ، البحر المحيط ( 6 / 218 ) ، القرطبي ( 9 / 236 ) ، اللسان « كيد » .