أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
525
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أحدهما : أن ينتصب على الحال ، أي : سيكفرون جميعا كذا قدّره أبو البقاء واستبعده . والثاني : أنه منصوب بفعل مقدّر ، أي : يرفضون أو يجمدون أو يتركون كلا قاله ابن عطية ، وحكى ابن جرير أنّ أبا نهيك قرأ « كلّ » بضم الكاف ورفع اللام منونة على أنه مبتدأ ، والجملة الفعلية بعده خبره ، وظاهر عبارة هؤلاء أنه لم يقرأ بذلك إلا في « كَلَّا » الثانية ، وقرأ علي بن أبي طالب « وَنَمُدُّ » من أمدّ . وقد تقدّم القول في مدّه ، وأمدّه « 1 » . قوله : وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ . في « ما » وجهان : أحدهما : أن يكون مفعولا بها ، والضمير في « نرثه » منصوب على اسقاط الخافض تقديره : ونرث منه ما يقوله . والثاني : أن يكون بدلا من الضمير في « نَرِثُهُ » بدل اشتمال ، وقدّر بعضهم « 2 » مضافا قبل الموصول ، أي : نرثه معنى ما يقول ، أو مسمى ما يقول ، وهو المال والولد ، لأنّ نفس القول لا يورث . و « فَرْداً » حال إما مقدّرة نحو : فَادْخُلُوها خالِدِينَ « 3 » ، أو مقارنة ، وذلك مبني على اختلاف في معنى الآية مذكورة في الكشاف . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 82 إلى 86 ] كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ( 82 ) أَ لَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ( 83 ) فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ( 84 ) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً ( 85 ) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً ( 86 ) والضمير في سَيَكْفُرُونَ . يجوز أن يعود على « الآلهة » ، لأنه أقرب مذكور ، ولأنّ الضمير في « يَكُونُونَ » أيضا عائدا عليهم فقط ، ومثله : وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ « 4 » ثم قال : فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ ، وقيل : يعود على ، ومثله قوله : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ . إلّا أنّ فيه عدم توافق الضمائر ، إذ الضمير في « يَكُونُونَ » عائد على الآلهة ، و « بِعِبادَتِهِمْ » مصدر مضاف إلى فاعله إن عاد الضمير في « عبادتهم » على المشركين ، وإلى المفعول إن عاد على الآلهة . وقوله : « ضِدًّا » إنما وحّده ، وإن كان خبرا عن جمع لأحد وجهين : إما لأنه مصدر في الأصل ، والمصادر موحّدة مذكّرة ، وإما لأنه مفرد في معنى الجمع . قال الزمخشري : « والضّدّ : العون ، وحّده توحيد قوله - عليه السّلام - : وهم يد على من سواهم » . لاتفاق كلمتهم ، وأنهم كشيء واحد ، لفرط تضامنهم وتوافقهم ، والضّدّ : العون والمعاونة ، ويقال : من أضدادكم ، أي : أعوانكم . قيل : وسمّي العون ضدّا لأنه يضاد من يعاديك وينافيه بإعانته لك عليه » . وفي التفسير : إنّ الضّدّ هنا الأعداء ، وقيل : القرناء ، وقيل : البلاء وهذه تناسب معنى الآية .
--> ( 1 ) انظر سورة البقرة آية ، ( 15 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 214 ) . ( 3 ) سورة الزمر آية ، ( 73 ) . ( 4 ) سورة النحل آية ، ( 86 ) .