أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

524

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والثاني : وهو مذهب النضر بن شميل أنها حروف تصديق بمعنى : نعم ، فيكون جوابا ، ولا بدّ حينئذ من أن يتقدمها شيء لفظا أو تقديرا . وقد تستعمل في القسم . والثالث : وهو مذهب الكسائي ، وأبى بكر بن الأنباري ، ونصر بن يوسف ، وابن واصل ، أنها بمعنى : حقّا . والرابع : وهو مذهب أبي عبد اللّه بن محمد بن الباهلي : أنها ردّ لما قبلها ، وهذا قريب من معنى الردع . الخامس : أنها صلة في الكلام بمعنى : « إي » كذا قيل . وفيه نظر ، فإنّ « إي » حرف جواب ولكنه مختص بالقسم . السادس : أنها حرف استفتاح وهو قول أبي حاتم ، ولتقرير هذه المواضع موضوع هو أليق بها . وقد حققتها بحمد اللّه فيه » . وقد قرىء هنا بالفتح والتنوين في « كَلَّا » هذه وتروى عن أبي نهيك ، وسيأتي لك أن الزمخشري يحكي هذه القراءة ويعزيها لابن نهيك في قوله : « كَلَّا سَيَكْفُرُونَ » ويحكى أيضا قراءة بضم الكاف والتنوين ، ويعزيها لابن نهيك أيضا . فأمّا قوله : ابن نهيك فليس لهم ابن نهيك إنما لهم : أبو نهيك بالكنية ، وفي قراءة الفتح والتنوين أربعة أوجه : أحدها : أنه منصوب على المصدر بفعل مقدّر من لفظها تقديره : كلّوا كلّا أي : أعيوا عن الحق إعياء ، أو كلّوا عن عبادة اللّه لتهاونهم بها من قول العرب : كلّ السّيف عن الضّرب ، وكلّ زيد أي : تعب ، وقيل : المعنى : كلوا في دعواهم وانقطعوا . الثاني : أنه مفعول به بفعل مقدر من معنى الكلام ، تقديره : حملوا كلّا ، والكلّ أيضا . الثقل تقول : فلان كلّ على النّاس ، ومنه قوله تعالى : وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ . والثالث : أنّ التنوين بدل من ألف « كَلَّا » وهي التي يراد بها الردع والزجر ، فيكون حرفا أيضا . قال الزمخشري « ولقائل أن يقول : إن صحّت هذه الرواية فهي « كَلَّا » التي للردع قلب الواقف عليها ألفها نونا كما في قوله : قَوارِيرَا . * قال الشيخ « 1 » : وهذا ليس بجيد ، لأنه قال : التي للردع ، والتي للردع حرف ، ولا وجه لقلب ألفها نونا وتشبيهه ب « قَوارِيرَا » * ليس بجيد ، لأنّ « قَوارِيرَا » * اسم يرجع به إلى أصله فالتنوين ليس بدلا من ألف ، بل هو تنوين الصرف ، وهذا الجمع مختلف فيه أيتحتم منع صرفه أم يجوز ، قولان . ومنقول أيضا أن لغة بعض العرب يصرفون ما لا ينصرف ، فهذا القول إما على قول من لا يرى بالتحتم أو على تلك اللغة . والرابع : أنه نعت ل « آلِهَةً » قاله : ابن عطية ، وفيه نظر ، إذ ليس المعنى على ذلك ، وقد يظهر له وجه ، أن يكون وصف الآلهة بالكل الذي هو المصدر ، يعني : الإعياء والعجز ، كأنه قيل : آلهة كالين ، أي : عاجزين منقطعين ، ولما وصفهم بالمصدر وحده ، وروى ابن عطية ، والدّاني ، وغيره عن أبي نهيك أنه قرأ « كلّا » بضم الكاف والتنوين ، وفيها تأويلان :

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 214 ) .