أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

498

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

المطلق فتصلح لما هو بمعنى الاختيار ، كما تقول : « أقمت زيدا » فإنه يصلح أن يكون إقامته لك قسرا أو اختيارا ، وأما قوله : ألا تراك إلى آخره ، فمن رأى أنّ التعدية بالهمزة قياس أجاز ذلك ، وإن لم يسمع ، ومن منع فقد سمع ذلك في « جاء » فيجيز ذلك . وتنظيره ذلك ب « آتى » فليس تنظيرا صحيحا ، لأنه بناه على أنّ همزته للتعدية ، وأن أصله « أتى » وليس كذلك ، بل « آتى » ممّا بني على أفعل ، ولو كان منقولا من « أتى » المتعدي لواحد ، لكان ذلك الواحد هو المفعول الثاني ، والفاعل هو الأول إذا عديته الهمزة ، تقول : « أتى المال زيدا ، وآتى عمرو زيدا المال » فيختلف التركيب بالتعدية ، لأنّ « زيدا » عند النحويين هو المفعول الأول ، و « المال » هو المفعول الثاني . وعلى ما ذكره الزمخشري كان يكون العكس . فدلّ على أنه ليس مما قاله ، وأيضا ف « آتى » مرادف ل « أعطى » فهو مخالف من حيث الدلالة في المعنى . وقوله : « ولم تقل أتيت المكان ، وآتانيه هذا غير مسلم بل تقول : أتيت المكان ، كما تقول : « جئت المكان » ، قال : 3249 - أتوا ناري فقلت : منون أنتم * فقالوا : الجنّ قلت : عموا صباحا « 1 » ومن رأى التعدية بالهمزة قياسا قال « آتانيه » . وهذه الأبحاث التي ذكرها الشيخ معه ظاهرة الأجوبة فلا نطول بذكرها . وقرأ الجمهور : « فَأَجاءَهَا » أي : ألجأها وساقها . ومنه : 3250 - وجار سار معتمدا إليكم * أجاءته المخافة والرّجاء « 2 » وقرأ حمّاد بن سلمة : « فاجأها » بألف بعد الفاء وهمزة بعد الجيم من المفاجأة بزنة : « قاتلها » ، وتقرأ بألفين صريحين ، كأنهم خففوا الهمزة بعد الجيم ، وبذلك رويت بين بين والجمهور على فتح الميم من : المخاض ، وهو وجع الولادة ، وروي عن ابن كثير بكسر الميم ، فقيل : هما بمعنى ، وقيل : المفتوح اسم مصدر كالعطاء والسّلام ، والمكسور مصدر كالقتال ، واللّقاء . والفعال : قد جاء من واحد كالعقاب والطّراق . قاله أبو البقاء . والميم أصلية ، لأنه من تمخّضت الحامل تتمخّض . و « إِلى جِذْعِ » يتعلق في قراءة العامة ب « أجاءها » أي : ساقها إليه ، وفي قراءة حمّاد بمحذوف ، لأنه حال من المفعول ، أي : فأجاءها مستندة إلى جذع النخلة . قوله : « نَسْياً » الجمهور على كسر النون وسكون السين وبصريح الياء بعدها ، وقرأ حمزة وحفص وجماعة بفتح النون ، فالمكسور « فعل » بمعنى « مفعول » كالذّبح والطّحن ، ومعناه : الشيء الحقير الذي من شأنه أن ينسى كالوتد والحبل وخرقة الطّمث ونحوها . قال ابن الأنباري : من كسر فهو اسم لما ينسى كالنّقص اسم لما ينقص ، والمفتوح مصدر يسدّ مسدّ الوصف . وقال الفراء : « هما لغتان كالوتر والوتر ، والكسر أحبّ إليّ » . وقرى محمد بن كعب « نسئا » بكسر النون والهمزة بدل الياء وروي عنه أيضا ، وعن بكر بن حبيب السّهميّ فتح النون مع الهمزة ، قالوا : وهو من نسأت اللّبن إذا صببت فيه ماء فاستهلك فيه ، فالمكسور أيضا لذلك الشيء المستهلك ، والمفتوح كما كان ذلك من النسيان . ونقل ابن عطية عن بكر بن حبيب « نسأ » بفتح النون والسين ، والقصر ك « عصا » كأنه جعله فعلا بمعنى مفعول كالقبض بمعنى المقبوض . و « مَنْسِيًّا » نعت على المبالغة ، وأصله : « منسوى » فأدغم ، وقرأ أبو جعفر والأعمش « منسيّا » بكسر

--> ( 1 ) البيت لشمر بن الحارث وقيل لغيره وهو من شواهد الكتاب ( 2 / 411 ) ، الخصائص ( 1 / 129 ) ، المقتضب ( 2 / 306 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 2 / 257 ) ، الأشموني ( 4 / 91 ) ، المقرب ( 1 / 300 ) ، الهمع ( 2 / 257 ) ، التصريح ( 2 / 283 ) ، البحر ( 16 / 182 ) . ( 2 ) البيت لزهير انظر ديوانه ، شرح ديوان الحماسة ( 1 / 302 ) ، البحر ( 6 / 182 ) ، القرطبي ( 11 / 92 ) ، مجاز القرآن ( 2 / 4 ) ، روح المعاني ( 16 / 81 ) .